كتب/ د.عادل عامر
يمثل الخطاب الإعلامي سلطة مهمة ومؤثرة في صياغة وعي المجتمعات وتشكيل تصوراتها وانطباعاتها عن الأحداث والقضايا والمجتمعات الأخرى، وتزداد هذه الأهمية مع تنامي دور وسائل الاتصال وتطور تقنياتها التي مكنت من إيصال خطابها إلى فئات الجمهور المختلفة والمتباعدة بهدف التأثير فيها والسيطرة على آرائها بما ينسجم مع مصالح منتجي الخطاب وخلفياتهم الأيديولوجية والثقافية.
إن هذا (الفتح الإعلامي) الفضائي إذن، لم ينزل برداً وسلاماً على المجال اللغوي العربي. فقد ترك تأثيرات انتهكت – باسم الانفتاح وزيادة الانتشار – حرمة اللسان العربي الفصيح. فبمجيء العولمة بمطامحها الاستقطابية (التوحيدية) التنميطية، وثقافتها الاستهلاكية الفائقة دخل عامل لغوي جديد إلى فضائنا الثقافي الإعلامي, إذ غزت اللغات الأجنبية –الإنجليزية على رأسها– عوالم المرئي والمسموع، وتحديدا ألسنة مذيعي الربط ومقدمي البرامج ومروجي الإعلانات وغيرهم.
تمددت المفردات والتعابير الإنجليزية والفرنسية في رحاب المذيعين وأساليبهم، وتلونت طرائق نطقهم وتنغيمهم ونبرهم بأساليب ومقترضات واستعارات تعود إلى هذه اللغات. وباتت الأدوات اللغوية المستخدمة اليوم تشكل مزيجاً هجيناً يغرف من كل منهل من دون أن يحمل بالضرورة ملامح شخصية البيئة الثقافية والاجتماعية التي يفترض به أن يتوجه إليها أو يكون ثابتاً من ثوابت هويتها التعبيرية.
وفي وضع كهذا يمكن القول إن حابل الإعلام أصبح مختلطاً – إلى أبعد حد – بنابل اللغة. ولم تعد، تبعاً لذلك، حدود وضوابط استخدام كل منها وتوظيفها في خدمة الآخر، واضحة المعالم. وعلى هذا الأساس فالتداخل البين بين مستويات اللسان العربي في مختلف وسائل الإعلام بالإضافة إلى الغموض الحاصل في الدور المرتقب لهذه الوسائط يحتمان وضع أكثر من استفهام على هذا المستوى، سواء في ذلك ما يمكن أن يصيب (هوية اللغة العربية الفصيحة) من تدجين وتدمير من خلال خلخلة لأركانها المبنية عليها (صوتاً وصرفاً ونحواً وتركيباً ودلالة)، وتخريب لنسقها المعياري.
أو ما يمكن أن يلحق (هوية) الناطقين بها من ارتجاج ومسخ على اعتبار أن (اللغة هي صلب الهوية)، مثلما أن تحديد اللغة يقع في قلب تحديد (الهوية) وكلاهما يتبوآن موقعاً مركزياً في فهم التحولات الآخذة في البروز، كما يبدو من المظاهر الآتية:
– التداخل بين اللغة الفصيحة واللغة العامية في الخطاب الإعلامي:
تداخل ليس بريئاً أو عفوياً وإنما هو مقصود، الهدف منه عزل اللغة العربية الفصيحة (بما تحمله من قيم ورموز وعمق تاريخي وبعد إيديولوجي)، وإحلال العاميات محلها، أي الابتعاد ما أمكن –كما يتضح في الخطاب الإعلامي– عن اللغة الأم وتكريس (النسق الدارج).
و(حيث إن الإعلام بمختلف وسائله الخطية والسمعية والمرئية هو أكثر المنظومات التصاقاً بالجمهور والواقع فإن كل التركيز يقع على قنواته ووسائطه للنيل من اللسان الفصيح. لذلك فنصيب الفصحى ما انفك يتقلص، ونزعة الاستسهال بحكم قانون المجهود الأدنى ما فتئت تزرع الوهم بأن العربية لا تتلاءم مع برامج الحياة اليومية) وكأن العربية لغة مفارقة للواقع الحي المعاش، لذا يحاول هذا التوظيف الإعلامي أن يبث الإيهام والخداع بكون (لغة الواقع) (اللغة العامية) هي التي يجب أن تغدو اللغة الرسمية، وهذا معناه جعلها لغة تعليمية أولاً، ثم لغة إبداعية حتى ينتج بها الفكر ثانياً، ومن هنا تجد أطروحات تحطيم اللغة الفصيحة مداخلها المبتغاة!
ولا يبعد أن يكون المقصد الأساس – من وراء كل هذا – أن تلقى لغة الضاد المصير نفسه الذي لقيته اللغة اللاتينية بأن تنحل وتتفتت إلى لهجات تتطور إلى لغات قائمة الذات.
إن هيمنة (ثقافة الصورة) (الثقافة البصرية) في مقابل تراجع (ثقافة الكلمة) (ثقافة المقروء)، وطغيان مبدأ الإغواء المشهدي في شكل من أشكال تفشي (لعبة الإغراء) (The game of seduction)، كل ذلك شجع على انتشار الثقافة الجماهيرية بمختلف مظاهرها ووجوهها، وانحسار ثقافة النخبة بشتى تجلياتها وصورها. لذا من البديهي -في مثل هذا الحال– أن يتوسل الإعلام بالعاميات بدءاً بلغة التخاطب التي يستعملها المنشطون والمنشطات للبرامج التلفزية والإذاعية.
وقد تضاعف (المد اللهجي) بحكم السعي إلى إشراك الجمهور في البرامج والنقاشات عبر وسائط الاتصال الحديثة. واشتهرت في الآن نفسه المسلسلات التي تكرس اللهجات العامية حتى لو كانت مضامينها ومقاصدها نخبوية عالية. وقد كان القطاع الخاص سباقاً إلى تكريس العاميات. بل حتى فضائياته -التي انطلقت بتوازن لغوي مقبول بين العامية والعربية- سرعان ما تخلت عن خيارها اللغوي وركبت موجة التداول اللهجي. وانساق القطاع العمومي شيئاً فشيئاً إلى الظاهرة نفسها. وأصبح للتداول بالعاميات النصيب الأوفر.
ولعل ما يزيد في استغراب المتابع للوضع الإعلامي أن البرامج الدينية قد انجرت –في شكل من أشكال تحول الوعظ والإرشاد الدينيين من المنبر إلى الشاشة أو من المسجد إلى الأستوديو– إلى المآل عينه. بل إن جمهور العلماء والدعاة والوعاظ أضحوا يميلون إلى التداول اللهجي عبر البرامج الإعلامية حتى الذين يتناولون منهم قضايا على قدر من التعقيد والدقة في علم القراءات أو علم الأصول أو غير ذلك. بل للأسف حتى في علم اللغة.
– اللسان الفصيح واللسان الدارج وسؤال المرجعية في الفضاء الإعلامي:
لقد باتت وسائل الاتصال والإعلام العربية والأجنبية، على حد سواء، بفعل قوة انتشارها وازدياد تأثيرها على المتلقي العربي تمثل شبه مرجعية ثقافية ولغوية لا تقل أهمية عما سواها من المرجعيات القائمة المورثة. ولعل المقلق –فيما نحن فيه– الشكل الموصول بفعالية هذه (المرجعية الجديدة) وقدرتها على القيام بتوجيه جمهورها وتطويره لغوياً. ذلك أن أهدافها التسويقية وخلفياتها الاستهلاكية ومنطقها الربحي وفلسفتها التجارية، غير المنفكة عن تجديداتها وإبداعاتها اللهجية الغربية، تكاد تطغى على همومها اللغوية. فمبدأ (الغاية التوصيلية) (النفعية) مقدم على العناية بالوسيلة اللغوية (وما تقتضيه من ضبط وإتقان). إن لم نقل إن غاية حفظ شد المتلقي للوسيلة الإعلامية أكبر وقت ممكن، تبرر انتهاك حرمة اللغة الفصيحة واللسان الرصين.
أما ما يرتبط بالتأثير والتأثر المتبادلين بين مستويي الفصحى والعامية في اللسان العربي المعاصر؛ فيوجب التذكير بأن العرف اللساني يؤكد أن المستوى الفصيح ينحو منحى التكيف مع المستوى التعبيري اليومي. بمعنى أن التلاقي والتفاعل يحدثان انطلاقاً من المستوى الفصيح وصولاً إلى المستوى العامي، بينما العكس هو الصحيح في حال اللسان العربي الذي تتطور عاميته تدريجاً بفعل الاحتكاك والاستعمال الإعلامي تحديداً، (نحو الشكل المفصّح).
وإذا تبين هذا تبين معه كذلك أن (الانحراف) في المجال الإعلامي نحو التوظيف اللهجي (استعمال العاميات) على حساب اللسان الفصيح إنما هو (انحراف) على مستوى المرجعية اللغوية بما هي مرتكز الهوية العربية وأساس الانتماء الحضاري للأمة الناطقة بلغة الضاد. وليس من نافلة القول التذكير في هذا السياق بأن اللغة العربية تنفرد عن غيرها من اللغات العالمية بأنها كانت، وما تزال، تشكل المحور الذي تلتصق به هوية الفرد العربي وهوية الجماعة على حد سواء. وبين هذه وتلك هوية الدين. كما أنه غني عن البيان أن هوية الدين ترتبط ارتباطاً وثيقاً باللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم ولغة الحديث النبوي الشريف.
وبناء على هذا فإن التفريط في هذه اللغة في المجال التداولي الإعلامي –من حيث إن الإعلام هو الصانع الأساس للتصورات والتمثلات، والمشكل الأبرز للوعي والإدراك– إنما هو تفريط في المرجعية الحاضنة لها، والتي قوامها الامتداد في العمق التاريخي، والامتلاء الحضاري، والانسجام بين العناصر المكونة لها، وما يستتبع ذلك من أصالة وثبات، على نقيض ما تحيل عليه (اللغة الهجينة) التي أضحت –كما تبين– العلامة المميزة للخطاب الإعلامي المعاصر، بما هي (لغة) لا هوية حقيقية لها، ولا مرجعية محددة تحضنها. أو أنها – في أحسن الأحوال – ذات (هوية هجينة مدجنة): (عامية– عاميات– لغة فصيحة– إنجليزية– فرنسية، إلخ).
وأي لسان بهذه المواصفات لا يمكن أن يسهم في خلق الإبداع، أو بناء فكر، أو صناعة ثقافة (بالمعنى الإيجابي العميق). بل ليمكن القول إن وضعاً لغوياً كهذا من شأنه أن يقوض الإبداع الثقافي والإنتاج الفكري. ذلك أن اللسان الغريب عن التربة الحضارية للأمة لا يمكن أن يولد إلا (ثقافة غريبة) و(فكراً مغترباً)، بل إنساناً مغترباً عن محيطه المحلي والكوني، لكونه يفقد صاحبه حقيقة وجوده وصميم هويته (أي اللغة الأم). لهذا (فالنظرة إلى اللغة ينبغي ألا تقصر على أنها مجرد سوق استهلاكية جديدة، أو سوى فتح تلفزيوني إعلامي يتجلبب بالعباءة العربية، وإنما من جهة كونه يرطن بلغة هجينة مغربة)، لها تداعيات مخيفة على الإنسان والفكر والثقافة والحضارة.
من هنا يمكن التنبيه إلى أنه بدل أن تمارس وسائل الإعلام في المجتمع العربي دورها في التحصين الثقافي والوعي الحضاري، وتقدم النماذج التي تبني الشخصية وتحمل الرسالة، وتثير الاقتداء، وتحسن التعامل مع الإعلام الغازي وتواجهه، وتشعر الأمة بالاستفزاز والتحدي الذي يجمع طاقاتها ويبصرها بطريقها ويساهم في صمودها؛ بدل كل ذلك تحولت (جلها) إلى وسائل هدم تسهم في تكسير أسلحة الأمة (وعلى رأسها اللغة ومن بعدها القيم والأخلاق) وإلغاء حدودها الفكرية والثقافية لتمكن لمرور (الآخر) واختراق الهوية العربية الإسلامية، وقد تتجاوز أكثر من ذلك حيث تغدو أداة (للآخر) فتبرز (العمالة الإعلامية) كتجل من تجليات العمالة الثقافية والسياسية في مراحل تطور الدولة التاريخي.
التعرف على صورة مصر التي يشكلها الخطاب الإعلامي في الفضائيات العربية لدى الجمهور العربي. ويعد من البحوث الوصفية، وقد استخدام المنهج المسحي لاستكشاف، وتحديد ملامح الصورة السياسية التي يشكلها في أذهان الجمهور العربي عن العراق كما لجأ إلى منهج دراسة العلاقات المتبادلة حيث عمد البحث في إطار هذا المنهج إلى لإجراء المقارنة بين متغيرات الدراسة الميداني
فإن تناول دور الإعلام في عملية المصالحة الوطنية يمثل أهمية كبرى، نظرا لأهمية هذا الدور وخطورته، حيث تشكل الممارسات الإعلامية غير المنضبطة تهديدا مباشرا للمصالحة الوطنية، خصوصا إذا تركزت المعالجات الإعلامية حول التحريض واللاتسامح ونشر الحقد والكراهية وعدم قبول الرأي الآخر وتأجيج مشاعر الفرقة على كافة المستويات،
ولا نبالغ إذا قلنا إن الإعلام إذا انتهج أساليب وممارسات غير مسؤولة ومرتبطة باعتبارات حزبية وسياسية ضيقة على حساب المصلحة العليا للوطن، فإنه يمثل تهديدا كبيرا لعملية المصالحة الوطنية برمتها، ويكون من الصعب الحديث عن تحقيق تلك المصالحة في ظل وسائل إعلام تؤجج الصراع ولا تسهم في تهيئة المناخ المجتمعي الملائم لتحقيق المصالحة، وبالتالي تصبح وسائل الإعلام مصدر تهديد للمجتمع بدلا من أن تؤدي رسالتها المنطلقة من مسؤوليتها الاجتماعية وبما يعزز من ثقافة التسامح واحترام الآخر وقبوله.
وأخيرا: إن أهمية الإعلام في عملية المصالحة الوطنية تأتي في سياق سياسي استثنائي على مصرنا الحبيبة تحت ظل الأسرة الكريمة أسرة «آل الصباح» المتسامحة، ربي يديم عزهم وحكمهم. وأذكر نفسي وأذكركم انه في السنوات التي أعقبت انطلاق ما أطلق عليها «ثورات الربيع العربي»،
وما ارتبط بها من تجاذب واستقطاب على مختلف المستويات وعلى رأسها السياسي والإعلامي بشكل غير مسبوق في كثير من المجتمعات العربية التي شهدت هذه الأحداث، قدمت وسائل الإعلام في هذه الدول أسوأ الأمثلة في مجال نشر الكراهية ونبذ الآخر وكل ما من شأنه عرقلة أي محاولات هادفة لتحقيق المصالحة الوطنية. للحديث بقية، ودمتم.