الوجود الاجتماعي في النفوذ الاقتصادي لليهود في مصر
نشرت بواسطة:
كتب / الدكتور عادل عامر
تشير الدلائل إلى إقامة الطوائف اليهودية في مصر منذ أواخر عهد الهيكل الأول، حيث كتب فيلون السكندري الذي عاش في القرن الأول الميلادي يقول إن نحو مليون من اليهود كانوا يعيشون في أيامه في مصر وليبيا ونوبيا (كوش)، كما تشهد مخطوطات “الجنيزا” اليهودية التي تم العثور عليها قبل نحو 130 سنة في معبد ابن عزرا القاهري بازدهار الطوائف اليهودية خلال القرون الوسطى (“الجنيزا” نوع من الأرشيف يوجد في الكنس اليهودية، يحتوي على أوراق تتضمن نصوصا مقدسة لا يجوز إلقاؤها في السلال المهملات، إضافة إلى دفاتر مختلفة تسجل فيها الولادات والوفيات وغيرها من الأحداث المهمة في حياة الطائفة).
أما في العصر الحديث فقد تأثر تعداد اليهود المصريين بالنمو السكاني المصري العام، حيث كان عدد سكان مصر في أواخر القرن التاسع عشر نحو عشرة ملايين نسمة، فيما بلغ عدد اليهود في أوائل ذلك القرن حوالي 5000 نسمة، أما في سنة 1897 فقد بلغ عددهم نحو 25,000 شخص، وهو نمو سكاني يبلغ ستة أضعاف النمو السكاني العام في مصر خلال الفترة نفسها. وفي بداية القرن العشرين أدت هجرة اليهود من المغرب وبعض الدول شرق المتوسط، بل ومن أوروبا وأرض إسرائيل، إلى حدوث زيادة أخرى في عدد يهود مصر، حيث بلغ عام1917 ما يقارب 60 ألف نسمة، أي ستة أضعاف ما كان بلغه قبل ذلك بجيلين. وفي عام 1927 بلغ عدد يهود مصر 63,500 شخص، وبقي كذلك حتى عام 1947، حين بلغ 65 ألف شخص، وهو أكبر عدد لليهود في مصر في العصر الحديث، إذ بلغ نصيبهم من سكان مصر نسبة 4.7%.
ما هي مميزات يهود مصر في تلك الفترة؟ لقد استقرت أوضاع اليهود خلال النصف الأول من القرن العشرين اقتصاديا واجتماعيا، وكان معظمهم من سكان المدن الكبرى، ولا سيما القاهرة والإسكندرية. وكان هناك فارق طبقي واضح بين الطبقات القديمة الناطقة بالعربية والأكثر فقرا، وبين المهاجرين إلى مصر خلال العصر الحديث، حيث أوجد المهاجرون وأبناؤهم طبقة وسطى من المثقفين من ذوي التوجهات الثقافية الغربية، وأصحاب المهن ومراكز راقية في حياة مصر الاقتصادية والثقافية، علما بأن معظم يهود مصر كانوا يمارسون التجارة، بينما كان الآخرون يعملون في الصناعة والبناء والمواصلات والخدمات الاجتماعية والمهنية والخدمات الشخصية.
ولكن النمو السكاني توقف، وذلك بخلاف النمو السكاني المصري العام، إذ كانت أجواء العداء قد برزت منذ ثلاثينات القرن الماضي تجاه الأقليات، وذلك بتأثير من الدعاية الفاشية وأحداث الثورة العربية في أرض إسرائيل. أما بعد اتخاذ الأمم المتحدة لقرار التقسيم عام 1947، فقد تعرض مصير اليهود المصريين لانعطاف حاد.
ومنذ تأسيس دولة إسرائيل حتى سنة 1955 قدم إلى إسرائيل نحو 15 ألف يهودي مصري (بعد أن كان قد قدم قبل تأسيس الدول ما يقارب 4,500 يهودي). وقرر بعضهم الهجرة إلى إسرائيل إثر تنامي العداء نحو الأجانب واليهود في مصر بعد تولي جمال عبد الناصر لمقاليد الحكم، حيث بات ينظر إلى الطائفة اليهودية على أنها “طابور خامس”. وفي أعقاب “حملة سيناء” عام 1956 وصل إلى إسرائيل 13,100 يهودي مصري خلال سنة واحدة، ثم كادت الهجرة تتوقف كليا. وإن كانت مغادرة اليهود لمصر قد استمرت، إلا أن المغادرين هاجروا إلى أوروبا وأمريكا وغيرهما. وبحلول العام 1960 لم يكن قد تبقى في مصر سوى 9000 يهودي أو أقل، ليتراجع عددهم حتى عام 1966 إلى نحو 2500.
يستدل مما تقدم أن نحو 63,500 ألف من اليهود قد غادروا مصر في فترة ما بين 1948-1966. ومنذ عام 1948 وصل إلى إسرائيل حوالي 42.5 ألف من اليهود المصريين. وبعد حرب الستة أيام استؤنفت الهجرة، مؤذنة بانتهاء الوجود اليهودي المنظم، إذ لم يبق في مصر سوى مجموعة صغيرة من اليهود المسنين، يقدر تعدادها بما بين 10 وبضع عشرات اليهود.
وقد تكلل اندماج اليهود المهاجرين من مصر في الدول التي استقبلتهم بالنجاح في معظم الحالات، ذلك بعد فترة من التكيف والتأقلم، علما بأن العديد منهم اضطروا إلى مغادرة مصر خلال أيام معدودة، تاركين أملاكهم من ورائهم. ومن جهة أخرىكان لغياب الطائفة اليهودية تأثير ملموس على الحياة العامة المصرية، في الوقت الذي استفادت فيه إسرائيل وبعض الدول الغربية كثيرا من مساهمة اليهود المصريين في الحياة اليهودية والاجتماعية والاقتصادية في الدول التي هاجروا إليها. وفي نهاية عام 2013 بلغ عدد اليهود المولودين في مصر المقيمين في إسرائيل 16,800 نسمة.
“إن إسرائيل غير مستعدة لأي أزمات اقتصادية قادمة، قد تضرب العالم في أي وقت”. هذا ما قالته صحيفة “كلكليست”، الإسرائيلية المختصة بالشؤون الاقتصادية. وأشارت الصحيفة في عددها الصادر في 06/09/2015، إلى إن إسرائيل فشلت خلال السنوات الماضية في تطبيق برامج خفض للعجز الجاري الموازنات الإسرائيلية بشكل كامل وصحيح.
وقالت: “في موازنتي العامين الجاري والقادم، فإن حكومة نتنياهو خرقت خطط خفض العجز في الموازنة”.وتوقعت “كلكليست” أن يؤدي استمرار العجز، وارتفاعه خلال العام الحالي والأعوام القادمة، إلى ارتفاع في نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي، وهذا لن يكون في صالح الاقتصاد الإسرائيلي، حسب قولها.
الاقتصاد الإسرائيلي
كان المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين يفتقد إلى الشروط التي تسببت في نجاح عمليات الاستيطان الاستعمارية المعروفة بالعالم؛ فقد بدأت مجموعات صهيونية بلا قوة عسكرية ذاتية، إلا أنها كانت تملك القوة الاقتصادية ولم تتمكن من الحصول على تأييد دولي سياسي من الدول الاستعمارية، ولم يكن بفلسطين أرض غير مملوكة، بل كانت كل الأرض مملوكة للفلسطينيين وذات قيمة اقتصادية.
وكان من أسباب غياب الشروط الاقتصادية للمشروع الصهيوني، إخفاق عمليات الاستيطان في تحقيق تقدم ملموس في العقود الثلاث الأولى (1905 -1914)، ثم تحول إلى نجاح من خلال ابتكار آليات اقتصادية جديدة، عبر تجارب الخطأ والصواب والصراع السياسي. وهذه التجارب هي:
1- التجربة الأولى: بدأت عام 1982، في الهجرة الصهيونية الأولى، وقام بها مهاجرو “أحباء صهيون”؛ حيث أقاموا مستعمرات قرب “صفد ويافا والقدس، وحاولوا تقليد الزراعة العربية، إلا أنهم لم ينجحوا.
2- التجربة الثانية: مرحلة البارون روتشلد، الذي قدم الدعم المالي والإشراف على الاستيطان في فلسطين. وبعد عشر سنوات انسحب روتشلد من قيادة المشروع الاستيطاني نتيجة الفشل؛ بسبب افتقار فلسطين لشروط المزارع الكبيرة، على غرار الاستيطان في الجزائر.
3- التجربة الثالثة: جمعية الاستعمار اليهودي في مطلع القرن العشرين، التي استخدمت معايير السوق الاقتصادية، وقلصت أجور العمال اليهود؛ ما دفع الكثير منهم للعودة إلى أوروبا.
4- التجربة الرابعة: المنظمة الصهيونية العالمية 1997 م، التي أقامت شبكة عالمية من الأجهزة السياسية النشطة في أوروبا، وشجعت الهجرة، وأقامت الصندوق القومي اليهودي لشراء الأراضي عام 1901 م.
5- تجربة الهجرة الثانية: وهم من الشرائح العمالية المتشبعين بالفكر الاشتراكي والقومي، الذين أسسوا أحزاباً عمالية “اشتراكية صهيونية” تدافع عن مصالحهم.
6- التجربة السادسة: أسلوب الاستيطان الصهيوني؛ حيث تآلفت الأحزاب العمالية مع المنظمة الصهيونية؛ ما أدى إلى بناء اقتصاد يهودي في فلسطين عمل على إيجاد علاقة استعمارية مع الاقتصاد العربي، تعمل على إضعاف سوق المال، وسوق الأرض، وسوق العمل، تمهيدًا للسيطرة عليها.
ولم يكن باستطاعة الحركة الصهيونية النجاح بمشروعها لولا الدعم من بريطانيا الاستعمارية؛ فقد كان “وعد بلفور، ركيزة الأساس في دعم ونجاح المشروع الصهيوني.
كانت سياسة بريطانيا “استعمارية تقليدية” قائمة على أساس بقاء الاقتصاد الفلسطيني منتجًا للسلع الزراعية الاستهلاكية ومستهلك للصناعة البريطانية.
أما بالنسبة للاقتصاد اليهودي، فقد دعمت بريطانيا الصناعة اليهودية، حتى على حساب المصالح الاقتصادية البريطانية.
واعتمدت سياسة تشجيع الصناعة اليهودية وعدم السماح بقيام صناعة عربية، من خلال رفع الضرائب الجمركية العالية على البضاعة الأجنبية التي تنافس الصناعات اليهودية.
كما قدمت بريطانيا مساعدات للاقتصاد الصهيوني من خلال تشويه الأسواق الاقتصادية الثلاث (سوق المال، سوق العمل، الأرض)؛ فدعمت الاستيطان من خلال سن القوانين الجائرة على المواطنين العرب، وفرض الضرائب العالية عليهم؛ وبالنسبة للسوق، دعمت بريطانيا شق السوق إلى سوق عمل يهودي، وسوق عمل عربي، وجعلت بمقتضى ذلك رواتب اليهود أعلى من رواتب الفلسطينيين؛ أما سوق المال، فقد دعمت بريطانيا دخول المال لليهود؛ لغرض التوسع الاستيطاني؛ إذ دعمت بريطانيا “المنظمة الصهيونية” و”الصندوق القومي” في سنوات الثلاثينات، بقوة، بإحضار رأس مال “ألماني”؛ فنمت الصناعة اليهودية المستجلبة.
ويتضح أثر دعم الانتداب للاقتصاد الصهيوني بالنجاح في إقامة الدولة؛ بعد أن تزايدت خلال سنوات الانتداب أعداد اليهود إلى سبعة أضعاف، (من “90 ألف إلى 700” ألف)، كما ارتفع حجم الإنتاج من 19% من الإنتاج الكلي في فلسطين، إلى 53%، وبلغت حصة اليهود من الاستثمارات 88%، ومن الإنتاج الصناعي 89%، بالرغم أن عدد اليهود كان آنذاك كان 30%.
ومع قيام إسرائيل كان طابع الملكية جماعياً (90% ملكية جماعية)، وكان النشاط الاستيطاني عبر الموشاف والكيبوتس، وكانت الهستدروت تدير مؤسسات اقتصادية وصناعية وصحية، وكان إيمان الأحزاب عميقًا بضرورة أن يشكل القطاع العام الآلية التي تحرك الاقتصاد الصهيوني.
وقاد نفوذ الأحزاب إلى تبني نظام قريب من الديمقراطية الاشتراكية؛ بتحالف “رأس المال والدولة والعمال”. وهذه الشراكة تلزم المنظمات العمالية بتقليص حجم مطالبها المتعلقة بالأجور وأوضاع العمل، مقابل تعهد رأس المال والدولة بإتباع سياسة توظيف كامل لليد العاملة، كما تعهد رأس المال بمراعاة حقوق العمال والاعتراف بالنقابات العمالية.
وفي الستينات مرت إسرائيل بضائقة اقتصادية؛ حيث انخفض حجم المساعدات الخارجية، كما انخفض تدفق المهاجرين عن معدلاته في الخمسينات؛ الأمر الذي أدى إلى انكماش اقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، وتباطؤ معدل النمو للناتج القومي الإجمالي، وأفلست المؤسسات الصغيرة.
مع انتهاء هذه الفترة برزت ثلاث مؤسسات عملاقة هي: “كور للاستثمارات”، و”الاستثمار المالي”، و”كلال”. وشكلت كل واحدة من هذه الشركات مجتمعاً اقتصاديًا يرتبط بأحد البنوك الرئيسة الثلاث: ليئومي، وهابوعاليم، وديسكاونت؛ ما رفع دور رأس المال على حساب دور الدولة والهستدروت، وظهر اتحاد الصناعيين كمؤسسة متعاظمة النفوذ والقوة.
أعطت حرب 1967م دفعة قوية للاقتصاد الرأسمالي الإسرائيلي؛ حيث أغرقت أسواق الضفة وغزة بالسلع الإسرائيلية، وحصلت إسرائيل على أيد عاملة عربية رخيصة، وقد أيدت الهستدروت والدولة اندفاع رأس المال المتعاظم؛ حيث دخلت الهستدروت في شراكات مع القطاع الخاص، وباعت الحكومة شركات حكومية للقطاع الخاص. المتغيرات المذكورة سميت (وحدة رأس المال) أي تعاون رأس المال الخاص والحكومي والعمالي في اتجاه إعطاء رأس المال الخاص سلطة قيادة النظام الاقتصادي بالتدريج.
وقد تمكنت الحركة الصهيونية “إسرائيل لاحقاً” من تحقيق نجاحات كبيرة على صعيد الاقتصاد الكلي دون التأثر بالإخفاقات، بفضل ثلاث عوامل:
1- حصول إسرائيل على موارد اقتصادية من الخارج وباستمرار؛ وشكلت مساعدات من يهود العالم ما نسبته 9% إلى 25% من الناتج القومي، فكان جزء كبير من التراكم الرأسمالي يأتي من هذا المورد.
2- القيام بمشاريع البنية التحتية الضخمة في المراحل الأولى من بناء الدولة.
3- وجود بيروقراطية عقلانية ذات علاقة عضوية بالاقتصاد الإسرائيلي وتتمتع بالاستقلالية العسكرية والسياسية والاقتصادية تأتي من حلقة الأحزاب العمالية.
منذ منتصف السبعينات أخذ مفعول هذه العناصر الثلاث (موارد خارجية، ومشاريع ضخمة، وبيروقراطية عقلانية مستقلة) يضعف، وفي سنة 1977 انتهت سيطرة الأحزاب العمالية على الدولة، ونجح تحالف الليكود اليميني في تأليف حكومة لأول مرة، وأصبحت سياسة الوزارات هي المتحكمة بالسياسة العامة؛ ما أفقدها تماسكها وتضامنها في توجيه النشاط الاقتصادي. وفي نهاية السبعينات وبداية الثمانينات أصبح نظام الديمقراطية الاشتراكية يعاني من أزمة مستعصية نابعة من عدم استمراره بالشكل الماضي.