يُعتبر الدّين الإسلامي من أكبر العوامل التي جَمعت كلمة الدّول العربية وإذابتهم في بوتقةٍ واحدةٍ وهي بوتقة الإيمان، وعاشوا لفتراتٍ طويلةٍ تحت نظامٍ سياسي واحد لذلك ٍالوحدة العربية كمشروع لتوحيد أبناء الأمة العربية هي التجسيد العملي لرابطة ثقافية حضارية عقائدية جمعت العرب في الماضي، وباتت شرطاً لاستقلالهم في الحاضر، وضرورة لنهضتهم في المستقبل.
ان الشعب العربي هو صاحب الإرادة في قيام الوحدة، وهو أيضاً صاحب القدرة على تحقيق الوحدة إذا توفرت له الوسائل والآليات والقيادات المؤهلة لتحقيق ذلك.
الأرض العربية هي المسرح الذي تتالت عليه الأجيال العربية وشهد أدوار حضارة العرب التي كانت تتألق حينا وتخبو حينا آخر ، والوطن العربي هو أول مقومات الكيان العربي فمن لا أرض له لا كيان له
1- الأرض العربية :
الأرض العربية هي المسرح الذي تتالت عليه الأجيال العربية وشهد أدوار حضارة العرب التي كانت تتألق حينا وتخبو حينا آخر ، والوطن العربي هو أول مقومات الكيان العربي فمن لا أرض له لا كيان له أو أن الخصائص التي يمتاز بها هذا الوطن والتي سأجعلها فيما يلي تجعل منه وحدة متماسكة أو متكاملة :
2ـ الحدود العربية :
إن الخطوط الوهمية المهتزة التي نجدها على الخرائط السياسية ليست سوى فواصل اتفاقية فرضت على العرب خدمة لمصالح دول أجنبية عنهم ، فمنى كانت أقطار المغرب العربي منقسمة على نفسها مثل هذا الانقسام إلا عندما ابتليت بالاحتلال التركي ثم بالاستعمار الفرنسي ومتى كانت سوريا منفصلة عن لبنان والأردن وفلسطين ، ومتى كانت اليمن بمعزل عن الجزيرة العربية خرجت مقدراتها من يدها .
إن العرب ينتظرون اليوم الذي تزال تلك العقبات ويصبح العربي حرا في بلاده .
3ـ الاتساع:
يمتد الوطن العربي على أكثر من خمسة عشر مليونا من الكلومترات المريعة ، وهذا الامتداد الكبير هو عنصر من عناصر قوة العرب في الماضي كما سكون مجال انقلابهم الاقتصادي والاستراتيجي في عالم الغد، وإذا كانت الدول الراقية تسعى لامتلاك بعض المناطق قصد البحث عن المواد الخام ، وتصريف الإنتاج المصنوع ، فإن هذه المعضلة ـ أي معضلة البحث ـ تعتبر منحلة بالنسبة إلينا . وإذا كانت بلادنا تشكو ضعف السكان وتخلخلهم فإن الخصب الجنسي كفيل بملء ذلك الفراغ إذ التزايد والتناسل عند العرب هما من أكبر ما عرف في تاريخ البشرية .
4ـ الاتصال:
لقد قامت المواقع الجبلية التي فصلت العرب عن الأقدام الأوربية الهندية والتركية في الشمال وبالأقوام السودانية الحبشية في الجنوب ، وإذا كان الأحباش قد اختلطوا قليلا باليمنيين والفرس بالعرقيين والأتراك بالسوريين والزنوج بالمغاربة فإن ذلك الاختلاط لم يكن جذريا كما رأينا .
لكن الوطن العربي لا توجد فيه فواصل تمنع بعض أجزائه من الاتصال بالبعض الآخر ، فلا جبال ضخمة ولا بحار فاصلة ، ولا صحاري يصعب اجتيازها والسلاسل الحقيقية الموجودة فيه هي الأطلس ولبنان وعمان وهي كلها تعج بالممرات والمسالك والسكان ، كما أن الصحراء لم تنفر السكان بل كانت منبع حضارة العرب ومعهد الإسلام العتيد ، وكانت القوافل والجيوش تجتازها في عهد المرينيين والسعديين .
وإن هذه السهولة في الاتصال بين البلاد العربية سهلت انتقال العرب في القديم والحديث ضمن هجرات منظمة أو عفوية ، ونتذكر هنا هجرات العرب الأولى وهجرات بني هلال وبني سليم والشاوية .
5ـ الإمكانيات:
قد يبدو لأول وهلة أن بلاد العرب بلاد الصحاري والمفاوز ، ولكن هل يقاس غني الأرض دائما بعذوبة المناخ واخضرار الأشجار ؟ حقيقة أن بلاد العرب أغلبها صحاري غير أنها صحاري تعج بالمعادن لها أعظم مكانة اقتصادية سيشهدها المستقبل ، فالبترول يتفجر في كل مكان والفوسفاط في المغرب العربي والأردن والقوى المحركة في العراق والجمهورية العربية والمغرب والمعادن الصناعية في إفريقيا العربية كلها ، وفي كل يوم تنكشف الصحراء عن خيرات جديدة .
ولا يجب هنا التغاضي عن الغني والإمكانيات الزراعية فقمح الهلال الخصيب والمغرب وثمور العراق وزيتون تونس وقطن مصر وإحراج المغرب وحيواناته تشكل كلها ركنا راسخا في الاقتصاد العربي الجبار.
6ـ التوسط :
رأينا البلاد العربية هي قلب العالم القديم والحديث معا ، وإن تهافت الدول العربية عليها وخلق الإشكالات فيها غايته الحصول على مفاتيح أسواق العالم الإنتاجية والاستهلاكية .
7ـ وحدة المناخ:
من الغريب أن جميع البلاد العربية تخضع لمؤتمرات مناخية هي مؤتمرات البحر الأبيض المتوسط ، ففي السعودية أو سوريا أو العراق أو مصر أو المغرب نجد أن وقت الأمطار هو الشتاء (مع بعض الشذوذ في اليمن والسودان)
وإن الجفاف والحرارة يعممان في الصيف ، وإن الرطوبة قليلة بصفة عامة ، هذا بينما نجد بلادا كالولايات المتحدة أو الاتحاد السوفيتي أو الهند تخضع لمؤتمرات مناخية شديد التباين فهناك مناطق يلجئ سكانها إلى البيوت ويقبعون إلى جانب المدافيء بينما ينعم آخرون بمياه البحر المنعشة .
8ـ وحدة الحياة :
إن وحدة المناخ وتركز الأمطار في الشتاء يجعلان شروطا نباتية وحياتية واحدة تسود في الوطن العربي كله تقريبا ، ومن المعروف أن بلاد المتوسط أو البلاد العربية هي موطن (النباتات الروحية، كما أنها بلاد الكروم والزيتون والنخيل ، فلا نكاد نجد المنظر التقليدي للواحة والجمل إلا هنا ، وإن أهم مشكلة يشعر العربي بواطئتها هي نقص المياه ولا نجد فرقا في ذلك بين فلاح سوسي وفلاح حمصي .
9-الحضارة العربية :
إن الحضارة العربية غنية ومبدعة لأنها متنوعة المشرب ، واسعة المنابع وقد كانت محدودة في المقومات والانتشار طيلة أحقاب كثيرة ، ولكنها برزت منذ مطلع التاريخ وظهرت براعمها فيما بين النهرين وشمال سوريا ووادي النيل والجنوب العربي ، وتفرجت عبقرية وإشراقا مع الإسلام وسنعرض باختصار لعناصر هذه الحاضرة التليدة .
10- اللغة العربية:
لقد خضعت اللغة العربية لتطور كبير منفصل ، ولكنها برهنت في كل زمن ومكان عن مقابلتها لهضم مختلف الثقافات التي عايشتها ، وإن وجود بعض الجزر اللغوية في البلاد العربية كالسريانية والقبطية والبربرية لا يمكن تعليله إلا بأسباب تاريخية بحتة ، وليس أدل على ذلك من أن اللغة السريانية تكاد تنقرض اليوم بعد استتباب الأمن وانتشار وسائل المواصلات .وعلى الرغم من كل ذلك فليس يوجد في العالم شعب يمثل هذه الضخامة ويتكلم لغة واحدة ذات أصل واحد ، فهذه الصين والهند وروسيا تقوم دليلا على إمكانية قيام الانسجام بين الشعوب تتلكم لغات متعددة ، فما بالنا بالشعب العربي الذي تتماثل جميع مقوماته كعنصر واحد . ومهما يكن الأمر فاللغة العربية هي لغة الإسلام .
11- التوسط الحضاري :
ولقد كانت بلاد العرب جسرا مرت عليه مختلف الحضارات ، والتقت فيها وطبعت بسيمائها، كما كانت مركزا تألقت فيه حضارات أصلية فالفنيقيون في لبنان وتونس والمغرب نقلوا الحضارة العربية إلى أوربا وأساطيل الحميريين والتبابعة وصلت إلى الشرق الأقصى ، ودقت الجيوش العربية أبواب سيبريا والصين ، ولابد من الاعتراف بأن الحضارة الحديثة تدين بمقوماتها وأصولها إلى العرب إذ أن مدارس سالرنو والأندلس وفاس وحملات الصليبيين والرحالة ، حملت جميعها نفحات الإبداع والعبقرية للعرب .
فموقع الوطن العربي فرض عليه أن يكون موجها وطابعا ، وعندما كان العرب يتوفرون على القوة والمنعة كانوا يقيمون التوازن بين مختلف الحضارات ويكبحون من جماح الشعوب المتأخرة ، وعندما ضعف العرب نتج عن ذلك اصطراع الرومان والفرس وانطفاء الجذوة الأندلسية وهجوم القبائل المتوحشة الأسيوية واحتلال البلاد أخيرا بجيوش تركية وغربية .فإذا كان لابد للعرب أن يعودوا إلى دور الحكم والموجه ، وإن يحافظوا على صفة التوسط وحفظ التوازن ، إن يعيدوا بناء قوة عتيدة جبار فإن عليهم أن يعلموا لوحدتهم هذه الوحدة التي هي نداء القرون وصوت الأرض وتأجج العاطفة .
الدكتور عادل عامر
يُعتبر الدّين الإسلامي من أكبر العوامل التي جَمعت كلمة الدّول العربية وإذابتهم في بوتقةٍ واحدةٍ وهي بوتقة الإيمان، وعاشوا لفتراتٍ طويلةٍ تحت نظامٍ سياسي واحد لذلك ٍالوحدة العربية كمشروع لتوحيد أبناء الأمة العربية هي التجسيد العملي لرابطة ثقافية حضارية عقائدية جمعت العرب في الماضي، وباتت شرطاً لاستقلالهم في الحاضر، وضرورة لنهضتهم في المستقبل.
ان الشعب العربي هو صاحب الإرادة في قيام الوحدة، وهو أيضاً صاحب القدرة على تحقيق الوحدة إذا توفرت له الوسائل والآليات والقيادات المؤهلة لتحقيق ذلك.
الأرض العربية هي المسرح الذي تتالت عليه الأجيال العربية وشهد أدوار حضارة العرب التي كانت تتألق حينا وتخبو حينا آخر ، والوطن العربي هو أول مقومات الكيان العربي فمن لا أرض له لا كيان له
1- الأرض العربية :
الأرض العربية هي المسرح الذي تتالت عليه الأجيال العربية وشهد أدوار حضارة العرب التي كانت تتألق حينا وتخبو حينا آخر ، والوطن العربي هو أول مقومات الكيان العربي فمن لا أرض له لا كيان له أو أن الخصائص التي يمتاز بها هذا الوطن والتي سأجعلها فيما يلي تجعل منه وحدة متماسكة أو متكاملة :
2ـ الحدود العربية :
إن الخطوط الوهمية المهتزة التي نجدها على الخرائط السياسية ليست سوى فواصل اتفاقية فرضت على العرب خدمة لمصالح دول أجنبية عنهم ، فمنى كانت أقطار المغرب العربي منقسمة على نفسها مثل هذا الانقسام إلا عندما ابتليت بالاحتلال التركي ثم بالاستعمار الفرنسي ومتى كانت سوريا منفصلة عن لبنان والأردن وفلسطين ، ومتى كانت اليمن بمعزل عن الجزيرة العربية خرجت مقدراتها من يدها .
إن العرب ينتظرون اليوم الذي تزال تلك العقبات ويصبح العربي حرا في بلاده .
3ـ الاتساع:
يمتد الوطن العربي على أكثر من خمسة عشر مليونا من الكلومترات المريعة ، وهذا الامتداد الكبير هو عنصر من عناصر قوة العرب في الماضي كما سكون مجال انقلابهم الاقتصادي والاستراتيجي في عالم الغد، وإذا كانت الدول الراقية تسعى لامتلاك بعض المناطق قصد البحث عن المواد الخام ، وتصريف الإنتاج المصنوع ، فإن هذه المعضلة ـ أي معضلة البحث ـ تعتبر منحلة بالنسبة إلينا . وإذا كانت بلادنا تشكو ضعف السكان وتخلخلهم فإن الخصب الجنسي كفيل بملء ذلك الفراغ إذ التزايد والتناسل عند العرب هما من أكبر ما عرف في تاريخ البشرية .
4ـ الاتصال:
لقد قامت المواقع الجبلية التي فصلت العرب عن الأقدام الأوربية الهندية والتركية في الشمال وبالأقوام السودانية الحبشية في الجنوب ، وإذا كان الأحباش قد اختلطوا قليلا باليمنيين والفرس بالعرقيين والأتراك بالسوريين والزنوج بالمغاربة فإن ذلك الاختلاط لم يكن جذريا كما رأينا .
لكن الوطن العربي لا توجد فيه فواصل تمنع بعض أجزائه من الاتصال بالبعض الآخر ، فلا جبال ضخمة ولا بحار فاصلة ، ولا صحاري يصعب اجتيازها والسلاسل الحقيقية الموجودة فيه هي الأطلس ولبنان وعمان وهي كلها تعج بالممرات والمسالك والسكان ، كما أن الصحراء لم تنفر السكان بل كانت منبع حضارة العرب ومعهد الإسلام العتيد ، وكانت القوافل والجيوش تجتازها في عهد المرينيين والسعديين .
وإن هذه السهولة في الاتصال بين البلاد العربية سهلت انتقال العرب في القديم والحديث ضمن هجرات منظمة أو عفوية ، ونتذكر هنا هجرات العرب الأولى وهجرات بني هلال وبني سليم والشاوية .
5ـ الإمكانيات:
قد يبدو لأول وهلة أن بلاد العرب بلاد الصحاري والمفاوز ، ولكن هل يقاس غني الأرض دائما بعذوبة المناخ واخضرار الأشجار ؟ حقيقة أن بلاد العرب أغلبها صحاري غير أنها صحاري تعج بالمعادن لها أعظم مكانة اقتصادية سيشهدها المستقبل ، فالبترول يتفجر في كل مكان والفوسفاط في المغرب العربي والأردن والقوى المحركة في العراق والجمهورية العربية والمغرب والمعادن الصناعية في إفريقيا العربية كلها ، وفي كل يوم تنكشف الصحراء عن خيرات جديدة .
ولا يجب هنا التغاضي عن الغني والإمكانيات الزراعية فقمح الهلال الخصيب والمغرب وثمور العراق وزيتون تونس وقطن مصر وإحراج المغرب وحيواناته تشكل كلها ركنا راسخا في الاقتصاد العربي الجبار.
6ـ التوسط :
رأينا البلاد العربية هي قلب العالم القديم والحديث معا ، وإن تهافت الدول العربية عليها وخلق الإشكالات فيها غايته الحصول على مفاتيح أسواق العالم الإنتاجية والاستهلاكية .
7ـ وحدة المناخ:
من الغريب أن جميع البلاد العربية تخضع لمؤتمرات مناخية هي مؤتمرات البحر الأبيض المتوسط ، ففي السعودية أو سوريا أو العراق أو مصر أو المغرب نجد أن وقت الأمطار هو الشتاء (مع بعض الشذوذ في اليمن والسودان)
وإن الجفاف والحرارة يعممان في الصيف ، وإن الرطوبة قليلة بصفة عامة ، هذا بينما نجد بلادا كالولايات المتحدة أو الاتحاد السوفيتي أو الهند تخضع لمؤتمرات مناخية شديد التباين فهناك مناطق يلجئ سكانها إلى البيوت ويقبعون إلى جانب المدافيء بينما ينعم آخرون بمياه البحر المنعشة .
8ـ وحدة الحياة :
إن وحدة المناخ وتركز الأمطار في الشتاء يجعلان شروطا نباتية وحياتية واحدة تسود في الوطن العربي كله تقريبا ، ومن المعروف أن بلاد المتوسط أو البلاد العربية هي موطن (النباتات الروحية، كما أنها بلاد الكروم والزيتون والنخيل ، فلا نكاد نجد المنظر التقليدي للواحة والجمل إلا هنا ، وإن أهم مشكلة يشعر العربي بواطئتها هي نقص المياه ولا نجد فرقا في ذلك بين فلاح سوسي وفلاح حمصي .
9-الحضارة العربية :
إن الحضارة العربية غنية ومبدعة لأنها متنوعة المشرب ، واسعة المنابع وقد كانت محدودة في المقومات والانتشار طيلة أحقاب كثيرة ، ولكنها برزت منذ مطلع التاريخ وظهرت براعمها فيما بين النهرين وشمال سوريا ووادي النيل والجنوب العربي ، وتفرجت عبقرية وإشراقا مع الإسلام وسنعرض باختصار لعناصر هذه الحاضرة التليدة .
10- اللغة العربية:
لقد خضعت اللغة العربية لتطور كبير منفصل ، ولكنها برهنت في كل زمن ومكان عن مقابلتها لهضم مختلف الثقافات التي عايشتها ، وإن وجود بعض الجزر اللغوية في البلاد العربية كالسريانية والقبطية والبربرية لا يمكن تعليله إلا بأسباب تاريخية بحتة ، وليس أدل على ذلك من أن اللغة السريانية تكاد تنقرض اليوم بعد استتباب الأمن وانتشار وسائل المواصلات .وعلى الرغم من كل ذلك فليس يوجد في العالم شعب يمثل هذه الضخامة ويتكلم لغة واحدة ذات أصل واحد ، فهذه الصين والهند وروسيا تقوم دليلا على إمكانية قيام الانسجام بين الشعوب تتلكم لغات متعددة ، فما بالنا بالشعب العربي الذي تتماثل جميع مقوماته كعنصر واحد . ومهما يكن الأمر فاللغة العربية هي لغة الإسلام .
11- التوسط الحضاري :
ولقد كانت بلاد العرب جسرا مرت عليه مختلف الحضارات ، والتقت فيها وطبعت بسيمائها، كما كانت مركزا تألقت فيه حضارات أصلية فالفنيقيون في لبنان وتونس والمغرب نقلوا الحضارة العربية إلى أوربا وأساطيل الحميريين والتبابعة وصلت إلى الشرق الأقصى ، ودقت الجيوش العربية أبواب سيبريا والصين ، ولابد من الاعتراف بأن الحضارة الحديثة تدين بمقوماتها وأصولها إلى العرب إذ أن مدارس سالرنو والأندلس وفاس وحملات الصليبيين والرحالة ، حملت جميعها نفحات الإبداع والعبقرية للعرب .
فموقع الوطن العربي فرض عليه أن يكون موجها وطابعا ، وعندما كان العرب يتوفرون على القوة والمنعة كانوا يقيمون التوازن بين مختلف الحضارات ويكبحون من جماح الشعوب المتأخرة ، وعندما ضعف العرب نتج عن ذلك اصطراع الرومان والفرس وانطفاء الجذوة الأندلسية وهجوم القبائل المتوحشة الأسيوية واحتلال البلاد أخيرا بجيوش تركية وغربية .فإذا كان لابد للعرب أن يعودوا إلى دور الحكم والموجه ، وإن يحافظوا على صفة التوسط وحفظ التوازن ، إن يعيدوا بناء قوة عتيدة جبار فإن عليهم أن يعلموا لوحدتهم هذه الوحدة التي هي نداء القرون وصوت الأرض وتأجج العاطفة .