كتب /د.عادل عامر
وهذا ما يفرض البحث في انعكاسات الفكرة وغموضها على السلطة التقديرية للإدارة، لمعرفة نطاق العلاقة القائمة بين الفكرتين، وما إذا كانت المصلحة العامة كمصدر للسلطة التقديرية للإدارة أم مقيدة لها.
وتعد السلطة التقديرية من أهم الصلاحيات التي تحضى بها الإدارة والتي تمنح لها الحرية في اتخاذ القرارات، ويقابلها ما يسمى بالاختصاص المقيد، ويقصد بها حرية الإدارة في اتخاذ القرار الذي تراه ملائما ومناسبا عند القيام باختصاصاتها، بحيث يكون لها الحق في أن تقرر بحرية مدى ملاءمة تدخل ما من عدمه، وكذا الوسائل والوقت المناسب لذلك، حيث يكون للإدارة الاستقلالية في اتخاذ القرار دون إتباع أوامر مسبقة وتعليمات محددة.
أما في ظل الاختصاص المقيد فلا يترك للإدارة أي هامش من حرية التصرف، وتكون ملزمة ومقيدة بما يضعه القانون من شروط مسبقة بشأن مسألة معينة، حيث يحدد لها مسبقا الهدف والسبيل دون أن يكون لها الحق في الاختيار.
فالسلطة التقديرية تختلف عن السلطة المطلقة في كونها تلزم الإدارة بالتقيد بمبدأ المشروعية من خلال الخضوع للقواعد القانونية، وكذا بالمصلحة العامة كهدف أساسي من وراء كل قرار إداري، هذا بالرغم من اختلاف الفقه حول نوعية العلاقة القائمة بين المصلحة العامة والسلطة التقديرية، وهذا ما سنتعرف عليه بعد الخوض في مدلول فكرة المصلحة العامة وصورها المختلفة.
•المصلحة العامة: المدلول والأهمية
من المسلمات في فقه القانون الإداري أن الإدارة تهدف من وراء تصرفاتها وأعمالها تحقيق هدف واحد لا يتغير هو المصلحة العامة.
فالنشاط الإداري يختلف عن النشاط الفردي في غاية كل واحد منهما، فالفرد مهما سميت دوافعه، ومهما التزم في نشاطه المثل العليا والقيم الدينية والأخلاقية إلا أنه يستهدف في النهاية أغراضا شخصية وإن كانت قد تتفق أحيانا مع المصلحة العامة، في حين تستهدف الإدارة تحقيق الصالح العام من وراء نشاطها وعملها.
فكل قرار إداري يفترض فيه تحقيق أهداف القانون في المجتمع، وهي العدالة والمصالح العامة للجماعة، بمعنى غاية كل قرار إداري هو تحقيق المصلحة العامة، بيد أن هذا القرار قد يحيد أحيانا عن تلك الغاية ويخرج عن دائرة القانون عن قصد أو عن غير قصد وهنا تختفي المصلحة العامة وتحل محلها المصلحة الشخصية أو الخاصة الناتجة عن الأهواء، ويصبح القرار الإداري فاقدا للمشروعية لعيب الانحراف في استعمال السلطة، وهذا العيب لا يرتبط بالانحراف عن المصلحة العامة فقط، فقد يحدث أن تتخذ الإدارة قرارا معينا تحترم من خلاله الاختصاصات والإجراءات القانونية وتستهدف تحقيق المصلحة العامة، إلا أن الأمر حينما يتعلق بمصلحة عامة غير تلك المقصودة من وراء صدور القرار الإداري نكون أيضا أمام انحراف في استعمال السلطة، فالمشروعية تقتضي الخضوع لمقاصد التشريع المحددة في النصوص القانونية
•المصلحة العامة والمفاهيم المشابهة :
للمصلحة العامة كما رأينا مدلول واسع وغير محدد بشكل دقيق، فهي فكرة تحتمل أكثر من تعريف، ويتغير معناها باختلاف ظروف الزمان والمكان والميدان الذي ترتبط به، كما تتفرع إلى مفاهيم فرعية تتسم بدورها بعدم الدقة في التحديد وأحيانا بالعمومية والغموض، ما يجعلها تقترب من مفهوم المصلحة العامة كثيرا لتبدو كمرادفات لها، وهذا ما يلاحظ من الاستعمالات الواسعة لهذه المفاهيم للدلالة على المصلحة العامة، وهكذا فحينما تتوخى السلطات الإدارية تحقيق المصلحة العامة باتخاذها لإجراءات الضبط الإداري فإنها تستهدف بالأساس حماية النظام العام الذي يعد الهدف الأساسي للشرطة الإدارية، وفي مجال المرافق العامة، نجد أن السلطات العمومية تهدف من وراء إنشائها تحقيق المصلحة العامة المتمثلة في إشباع الحاجات ذات النفع العام للجمهور، كما تحرص الإدارة على حماية مصلحة المرفق والمحافظة عليه من أجل القيام بمهمته على أحسن وجه، كما تقوم بنزع الملكية الخاصة إذا استدعت المنفعة العامة ذلك، أي لأجل تحقيق المصلحة العامة.
ونلاحظ من خلال الأمثلة أعلاه، تعدد صور و أشكال المصلحة العامة، فأحيانا تتحقق عن طريق حماية النظام العام في مجال الضبط الإداري، أو من خلال إنشاء المرافق العامة وحماية مصلحة المرفق، أو تحقيق المنفعة العامة في مجال نزع الملكية، كما ترد فكرة المصلحة العامة بمفاهيم أخرى مشابهة كحماية الصالح العام أو النفع العام، وتحيل مفاهيم أخرى على الفكرة كحماية الاقتصاد الوطني والسيادة الوطنية والوحدة الترابية والأمن القومي إلى غيرها من المفاهيم التي تندرج ضمن المصلحة الوطنية العليا، ونجد أن حتى المفاهيم الفرعية للفكرة الأم تتفرع بدورها لمفاهيم أخرى تشكل مكونات لها، فإذا أخذنا مفهوم النظام العام مثلا الذي هو شكل من أشكال المصلحة العامة، يتضمن عدة صور تدخل ضمن مكوناته كالصحة العامة والسكينة العامة والأمن العام، إضافة إلى مكونات جديدة ناتجة عن التطور والتوسع الذي عرفه كالنظام العام الاقتصادي والأخلاق العامة والآداب وغيرها…
والملاحظ من خلال هذه التفرعات والعناصر التي تحيل إلى فكرة المصلحة العامة ومدلولها أنها تشترك جميعها في كونها مفاهيم غير محددة بشكل دقيق من الناحية القانونية وتتصف بالعمومية والغموض أحيانا، كما هو الشأن تماما بالنسبة لمفهوم المصلحة العامة، ومن الواضح أن عمومية واتساع مدلول هذه الأخيرة هو الذي انعكس بشكل واضح على مكوناتها وعناصرها وجعلها تتصف بنفس الخصائص، فإذا كان النظام العام مثلا مفهوما نسبيا وفضفاضا فكيف يمكن تحديد مفهوم الأخلاق العامة أو الآداب بدقة ؟ وهي إحدى مكونات مفهوم يفتقد بدوره لتعريف واضح ويتأثر بظروف الزمان والمكان المحيطة به.
وكما سبق الذكر فإن المصلحة العامة تتفرع إلى مصالح مرتبطة بمجالات مختلفة مما يفسر تقاربها مع مفاهيم أخرى تكاد تشكل مرادفات لها، وهنا نتساءل عن ماهية العلاقة الرابطة بين المصلحة العامة وبعض تلك المفاهيم وفي مقدمتها المرفق العام؟
بالنسبة للمرفق العام نجد أنه يستهدف دائما تحقيق المصلحة العامة، ويعرف على أنه كل نشاط يهدف إلى إشباع حاجات ذات نفع عام، فكل عمل يستهدف تحقيق هدف آخر غير المصلحة العامة لا يدخل ضمن إطار المرفق العام، ويتضح هنا أن مفهوم المصلحة العامة هو أكثر اتساعا وشمولية من مفهوم المرفق العام، وكما سبقت الإشارة إلى ذلك فإن تحقيق المصلحة العامة ليس حكرا على الأشخاص المعنوية العامة، فحتى الفرد يساهم في تحقيقها، لكن دور الفرد يختفي كلما تعلق الأمر بتقدير المصلحة العامة وكيفية تحقيقها، ويتضح ذلك من خلال دور السلطة العامة في إنشاء المرافق العمومية، حيث تملك سلطة تقديرية واسعة في هذا الصدد، ولا يحق للمرتفق التدخل في ذلك باعتبار أنه اختصاص يدخل ضمن المجالات المحفوظة للإدارة،
ويستتبع ذلك تمتع الإدارة بامتيازات كبيرة كالحق في تعديل الوضع القانوني والنظامي في مواجهة المرتفق بحجة المصلحة العامة دائما، بالرغم من أن إيديولوجية هذه الأخيرة والتي تشكل أساس المرفق العام تحتوي فكرة ضمان حقوق المرتفق، هذا الأخير الذي يبقى في موقف ضعف في مواجهة الإدارة، وتتعزز سلطة الإدارة أيضا في تحديد وتعيين مصلحة المرفق حيث تملك حرية واسعة في تقديرها، ويعرف مفهوم مصلحة المرفق كونه السير الجيد للمرفق العام، أو هو الهدف الأسمى الذي تتوخاه كل سلطة عامة، وهكذا تتضح علاقة مصلحة المرفق بالمصلحة العامة، حيث كل ما يحقق المصلحة الأولى يدخل ضمن الثانية، فهي جزء لا يتجزأ منها.
ومن المفاهيم المشابهة للمصلحة العامة والتي تشترك معه في العمومية والمرونة، نجد مفهوم المنفعة العامة الذي لم يحدد المشرع معناه بدقة مما جعل البعض يعتبره كمرادف للمصلحة العامة، وبعد التطور الذي طرأ على المنفعة العامة، أصبحت حاليا مرتبطة بما تحققه من مزايا وما تلحقه من أضرار وما تتطلبه من تكلفة مالية وذلك بعد اعتماد نظرية الموازنة، ويمكن القول أن مفهوم المنفعة العامة يقترب كثيرا من فكرة المصلحة العامة، والفرق ينحصر في مجالات استعمال كلا المفهومين، فنجد أن المصلحة العامة تستعمل في كل الأنشطة الإدارية بمختلف مجالاتها، في حين ينحصر استعمال مفهوم المنفعة العامة غالبا في مجال نزع الملكية، بمعنى أن فكرة المصلحة العامة أشمل وأعم.
ونستنتج مما سبق أن فكرة المصلحة العامة حاضرة في كل مجالات الحياة الإدارية وذلك بنفس المفهوم أو من خلال مفاهيم مشابهة لكنها تصب في هدف واحد وهو تحقيق المصلحة العامة، كمفهوم النظام العام في مجال الضبط الإداري ومفهوم مصلحة المرفق في مجال المرافق العمومية، ومفهوم المنفعة العامة في مجال نزع الملكية، فبالرغم من اختلاف المفاهيم إلا أنها تشترك في كونها تستمد أساسها ومشروعيتها من الحرص على حماية المصلحة العامة.