كيف تصنع الأحداث البشر

كتب / د. عادل عامر

الحياة في جانبها الحركي مجموعة من الأحداث التي تصدر لتحقيق غايات أو استجابة لمؤثرات، والحدث لا بد له من ظرف أو وعاء يحدث فيه من الزمان والمكان، والحدث الإرادي من صفات الأحياء، ولا ينفك ذلك عنه، فإذا انقطع منه الحدث كان ذلك دليل موته، أو ضعف حيويته ضعفا شديدا، والأحداث إنما يصنعها فاعلها لتحقيق مصالح أو أغراض وأهداف، لكنه لا يملك النتيجة، فقد تأتي النتيجة موافقة للغرض الذي من أجله صنع الحدث، وقد تأتي مخالفة مخالفة تامة ، أو تحقق شيئا وتعجز عن شيء، وقد تحقق شيئا من الغرض وتحقق معه شيئا آخر معاكسا،

 وهذا لا شك أنه من الأقدار التي يقدرها الله بحكمته وعلمه، فكل شيء مخلوق بقدر ” إنا كل شيء خلقناه بقدر” لكن الله سبحانه وتعالى جعل الحياة تمضي وفق نظام، وهو السنن والأسباب التي قدرها لحصول المسببات، فمن اتبع السنن وأخذ بالأسباب أوشك أن يحقق مطلبه إلا أن يشاء الله تعالى شيئا غير ذلك، وهو الحكيم الخبير، وعلى هذا فليس هناك في ميزان الشارع تعارض بين الإيمان بالقدر وبين إتباع الشريعة والأخذ بالأسباب؛ فإن القدر والأسباب يسيران في اتجاه واحد ولا يتعاكسان، ومن هنا فإن ترك الأخذ بالأسباب الموصلة لمسبباتها –إ

ذا كان تحصيلها مطلوبا- تقصير يلام عليه الإنسان، وذنب يحاسب عليه بحسبه، والأحداث قد يصنعها المرء بنفسه ليحقق بها هدفه، وقد يصنعها عن طريق معاونين له في ذلك، وهذه صناعة مباشرة للأحداث، ولكن هناك صناعة غير مباشرة وهي التدخل في أحداث الآخرين؛ لتأتي محققة لأهداف المتدخل فيها،

فإذا أمكن أن نجعل الآخر وهو يصنع حدثه بإرادته ليحقق مصلحته، بحيث يكون ذلك محققا لأغراضنا، فإن ذلك يعد نجاحا عظيما، إذ يتمكن الإنسان بذلك أن يجعل الآخرين – حتى وإن كانوا مخالفين أو معادين- ساعين أو مساهمين في تحقيق أغراضه، بإرادتهم وفق قناعاتهم الخاصة بهم لتحقيق مصالحهم التي يرونها،

ومعنى هذا أنه ينبغي لنا أن نبحث عن إجابة للسؤال الذي يقول ما التقنيات أو الأساليب التي يمكن من خلال اتباعنا لها أن نتدخل في صناعة الحدث عند الآخرين ؟ كما يجب عليك أن تؤمن بنفسك وبقراراتها وتثق في اختياراتك فلكل شخص شخصية، وظروف مختلفة عن الآخر، وفقدان ثقتك بنفسك سيدفعك للاتجاه للآخرين والبحث عن مساعدتهم في كل مرة ينبغي أن تتخذ فيها القرار، لذا عود نفسك على فعل الأشياء بنفسك دون الاعتماد على الآخرين وطلب مساعدتهم.

ارتد ما تريده من الملابس وكل ما يعجبك وتصرف بالطريقة التي تراها مناسبة مع احترام حدود وخصوصيات الآخرين، فهذه الأشياء البسيطة جزء من شخصيتك فلا تجعلها مرهونة برضا الآخرين، ولا تعش في عباءة غيرك واحترم نفسك وقدر اختلافها، وتجنب الأشخاص الذين يدفعونك لتقديسهم أو تبعيتهم لأنهم سيمنعونك من الاستقلالية بذاتك، حافظ على مسافات صحية مع أصدقائك وأدرك الفرق بين المشورة وبين الانصياع لآراء الآخرين وتبعيتهم.

ن قدرة الإنسان على الاختيار يعني أنه مسئول عن نتيجة كل أفعاله، وأن كل ما يفعله اليوم سيلاقي نتيجته غداً، وإذا كانت أفعال اليوم هي التي تصنع حياة الإنسان في الغد، فإن واقعه اليوم أيضاً ما هو إلا صناعة الأمس، فإذا تساءلنا عن المصائب التي تواجهنا في حاضرنا:أنى هذا؟ فإن علينا أن نبحث عما قدمت يدانا بالأمس، فهي لم تكن لتصيبنا إلا بما كسبت أيدينا: quot;قل هو من عند أنفسكمquot;.

لكن أكثر الناس على اختلاف أديانهم وأجناسهم وألوانهم تجدهم يؤثرون تنزيه الذات، فبدل أن يلتفتوا إلى داخل أنفسهم فإنهم يبحثون عن أسباب مشكلاتهم خارج ذواتهم، ونقصد الذات هنا في جميع مستوياتها: الفردية، والجماعية، والحضارية، فالفرد يسب المجتمع والظروف لأنه فشل في حياته، والشعوب تحمل حكامها مسئولية الفساد والاستبداد، والعرب يحملون الغرب مسئولية خيبتهم وتأخرهم الحضاري، والغرب بدورهم يحملون العرب مسئولية الإرهاب والظلامية، ولا يفكرون بالأسباب التي قادت إلى هذه النتائج، وهكذا فإن كل حزب بما لديهم فرحون.

إن البشر يتقنون تبرئة النفس وتقديسها والعيش بنفسية الضحية وأنهم مظلومون مضطهدون، فتنتشر بيننا أقوال مثل: (فلان ما بيستاهل اللي صار فيه)، وحين نتحدث عن تاريخنا نستفيض في وصف الجرائم التي قامت بها جيوش التتار تجاه عاصمة الخلافة، من جبال الجماجم وإحراق المكتبات، واسوداد نهر دجلة، وقتل الخليفة، ولكننا لا نبحث بجدية في حياة الخليفة الغارقة في الترف مما كان سبباً في تجرأ التتار على غزو ديارنا.

ونفس المنهج في حديثنا عن تاريخنا المعاصر فنرسم صورةً ورديةً بأننا كنا نعيش بأمن وأمان وادعين مسالمين، وفجأةً نزلت علينا البلايا من السماء، وغزانا الاستعمار، وأقيمت إسرائيل على أنقاضنا..

لكن القرآن قد جاء بفكرة انقلابية تنسف هذه المفاهيم السائدة، فهو لا يقر نفسية الضحية، وعلى العكس من ذلك يرسخ فكرةً غير مألوفة بين البشر وهي فكرة (ظلم النفس)، والبشر يتحدثون عن ظلم كل أحد لهم إلا ظلمهم لأنفسهم وهو الظلم الرئيسي الذي يركز عليه القرآن دائماً quot;وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهمquot;، quot;وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمونquot;، quot;ظلمنا أنفسناquot;..

إننا نحن المسئولون عما يواجهنا من مصائب لأن الله قد أعطانا القدرة على الاختيار، ونحن الذين نملك أن نصنع الحياة بالطريقة التي نريدها فحياتنا من نسيج أفكارنا، وما واقعنا الحالي سوى نتيجة لأسباب قدمناها بأنفسنا، ولا يتغير هذا الواقع إلا إذا غيرنا الأسباب quot;حتى يغيروا ما بأنفسهمquot;..

إن القرآن يبرز دائماً المسئولية البشرية في كل ما يصيب البشر، ففي قضية الإيمان والكفر، والهدى والضلالة يبين أنها ليست عشوائيةً فالله لا يضل إنساناً إلا إذا اختار هو الضلالة quot;في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاًquot;، quot;قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداًquot;، وفي المقابل إذا صدق إنسان في البحث عن الهداية ورغب في اتباع الحق فإن الله سيوفقه في ذلك quot;والذين اهتدوا زادهم هدىquot;..

الإنسان هو الذي يبدأ، والله يعطيه ما يريد، فهو مخير لا مسير.

إن الإسلام يعزز دور الإنسان في اختيار قدره بدعوته على الالتفات إلى داخل نفسه لتغيير واقعه، فهناك في الإسلام مبادئ مثل الاستغفار والدعاء ينبغي ألا نفهمها بالطريقة التعبدية وحسب، بل لها دلالتها الفلسفية العميقة، فالاستغفار يكون لتدارك أخطاء الماضي حتى نتجنب آثارها المستقبلية، فهي محاولة للتأثير في المستقبل، والدعاء كذلك بمعناه الإيجابي أن الإنسان يستطيع أن يرد القدر المستقبلي (لا يرد القضاء إلا الدعاء)..

إن إرادة الله الغالبة لا تنفي دور الإنسان في صناعة القدر، نحن نعلم أنه لا يكون إلا ما يريد الله ولكننا لسنا مطلعين على علم الله حتى نتحرك بناءً عليه، فنحن حين نعمل فإننا نعمل وفق إرادتنا وليس بناءً على معرفتنا باختيار الله، وما نصنعه في النهاية يكون هو إرادة الله، فنحن نتحرك ضمن قدر الله ولا نلغيه، فنفر من قدر الله إلى قدر الله، إن المرض والهزيمة والفقر أقدار إلهية ولكن العافية والنصر والغنى هي أقدار إلهية أيضاً، والسعي لتغيير الحال من هزيمة إلى نصر، ومن مرض إلى عافية هي أقدار أيضاً..

إن الإسلام يذهب بعيداً في إعلاء قيمة الدور الذي يستطيع الإنسان أن يقوم به في صناعة قدره حتى يشمل ذلك الدور أموراً تفصيلةً نظن أنَّ أحداً من البشر لا يستطيع التأثير عليها، وأنها قدر إلهي محض لا نملك تغييره، مثل الطريقة التي سنموت بها، وهذا ما توضحه قصة الأعرابي الذي ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه اتبعه على أن يصاب بسهم في حلقه فيخرج من نحره فكان الجواب النبوي: إن تصدق الله يصدقك، وهو ما كان له فمات بالطريقة التي يريدها بالضبط، ونفس المعنى في الحديث أن صدقة السر تقي مصارع السوء أن الإنسان يملك بعمله أن يختار طريقة موته.

إذا كان الإنسان يمكن أن يبلغ درجةً يختار فيها حتى طريقة موته، وإذا كان هناك من عباد الله الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبره، فهذا يعني أنه لم تعد هناك دائرة للغموض والقلق والعشوائية في هذه الحياة، وأن الإنسان يملك أن يصنع قدره بيده، وهذه هي قمة التكريم الإلهي للإنسان الذي نفخ فيه من روحه، وكون الإنسان فيه نفخة إلهية فهذا يعني أن فيه أثراً من صفات الله، وكما أن الله يفعل ما يريد، فإنه قد أعطى للإنسان القدرة على أن يفعل ما يريد، طبعاً في حدود بشريته وعبوديته quot;وما تشاءون إلا أن يشاء اللهquot;..

وكما ذكرنا مثالاً من المستوى الفردي فإننا نذكر مثالاً آخر من المستوى الجماعي وهو قول الله عز وجل: quot;ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرضquot;، والمعنى أن الإنسان يستطيع أن يؤثر في الظواهر الطبيعية بتغيير رصيده النفسي..وبذلك تصير الطبيعة مسخرةً للإنسان، ويكون مسيطراً عليها بدلاً من أن يكون تائهاً حائراً مصدوماً أمام غضبها كما هو حاله اليوم.

جميل أن خبراء التنمية البشرية أدركوا جانباً من هذا المعنى الإيجابي للقدر فخرجوا لنا بقانون الجذب الذي يقول في خلاصته أننا نحن الذين نختار مستقبلنا إيجاباً أم سلباً، نجاحاً أم فشلاً..

إن هذا الفهم الإيجابي للقدر يؤكد لنا أن الحياة لا تسير على نحو غامض فتشقينا يوماً وتسعدنا آخر، أو أن الحظ يبتسم لنا يوماً فننجح، ويتجهم آخر فنفشل، ولكننا نعيش وفق اختياراتنا، وبذلك نتحرر من أغلال السلبية والتواكل والتكاسل، وتنطلق طاقاتنا باتجاه التغيير لبناء مستقبل أفضل..

اضف رد

Recent Posts

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لتحديد هوية المتصل بشكل رسمي ومنع الرسائل المزعجة.. المصرية للاتصالات تتعاون مع Truecaller

كتب محمد خالد أعلنت الشركة المصرية للاتصالات، الشركة الرائدة في مجال تقديم خدمات الاتصالات وتكنولوجيا ...