كيفية الحفاظ على التراث

    كتب /الدكتور عادل عامر                                                                                                                                    

التراث هو جزأ لا يتجزأ من الهوية الوطنية التي تنفرد بها كل دولة أو حضارة عن الأخرى، فمن يضيع تراثه الحضاري والفكري تضيع هويته. يشكِّل التراثُ الثقافي القيمَ والمعتقدات والطموحات، ويصوغ هوية الأمم ويوثِّق إنجازات أبنائها. فعندما أتأمل موقعاً كموقع الزبارة على سبيل المثال، لا أرى في قلعة الزبارة صرحاً مذهلاً أو في أطلال الزبارة مدينة قديمة فحسب، بل استحضر في مخيلتي جدةً تجدلُ ضفائر حفيدتها، ومشهد الوداع الذي يجمع صائد اللؤلؤ بأسرته، واجتماع كبراء المدينة وهم يناقشون مسألة اتخاذ طرق جديدة للتجارة. وكل من يتأمل ذلك المنظر سيرى مشهداً مختلفاً وسيستحضر روايةً مختلفة.

التراث الثقافي هو نتيجة للحفاظ على تلك الذكريات القديمة والقيمة. ولهذا سيظل مفهوم الحفظ والحماية مرتبطاً به للأبد. ولا يُسمى التراث الثقافي تراثاً إلا إذ أورثَه جيلٌ سابق لجيلٍ حالي ليحافظ عليه وينقله إلى الجيل الذي يليه. وعلى الرغم من أن المتاحف بمثابة أوعية لحفظ الذكريات، فإن هناك من الذكريات ما لا يمكن تقديمه في صالات عرضها. تلك الذكريات قد تتمثل في طرق نسلكها، أو مبان نمر بجانبها، أو في طريقة ارتدائنا الملابس، أو في حكايات نقصها على أطفالنا.

الآثار هي مجموعة واسعة ومتنوعة من الإرث الحضاري والثقافي والعادات والتقاليد والمقتنيات الموروثة عن أجدادنا وآبائنا الذين عاشوا في ذات المكان مخلدين لنا العديد من المباني الأثرية والتحف الفنية وغيرها الكثير من الأشياء الشاهدة عليهم والتي عرفتنا بهم، بالإضافة إلى ما أخذناه عنهم من سلوكيات وأنماط حياة ما زلنا محافظين عليها ونعيشها دون أن ندرك أننا ورثناها عنهم وأنهم سبقونا إليها، وفوق كل ذلك اختراعاتهم واكتشافتهم التي بنينا عليها وطورناها حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن من تقدم وتطور

للتراث أهمية كبيرة وخطيرة في حياة الشعوب والأمم، فهو يمثل تاريخ هذه الأمة أو هذا الشعب، والذي يبيّن الهوية المحلية لذلك الشعب، أو تلك الأمة، وأيضًا هو المقياس الذي يفرّق بين مواطني دولة أو شعب عن غيرهم؛ إذ إنه هو الذي يضع الأمة أو الشعب في مكانها الصحيح، وهو كذلك واحد من الأدوات التي تكوّن فكره، وعقله، وثقافاته، وأفكاره، وهو واحد من أدوات التحكم فيه، واعتمدت عليه بعض الدول الاستعمارية كسلاح قوي من أجل إحكام السيطرة على الذين تستعمرهم، وذلك عن طريق دراسة تاريخهم، وتراثهم جيدًا،

ومن ثم استخدامه من أجل التقرب منهم، وقد تظاهرت بعض الدول الاستعمارية بالانصهار فيه، عن طريق قيامها بمشاركة الشعب أو الأمة التي تستعمرها في الاحتفال بأعيادها، وإظهار تمسكها بعاداتها، كي يسهل على الشعب أو الأمة المستعمرة تنفيذ أوامرها وإطاعتها بذريعة أنها قريبة من أفكارهم، ومن عاداتهم وتقاليدهم؛

 إذ يعد التراث هو الأساس التاريخي القوي للأمم وللشعوب، فالتمسك بالتاريخ والتراث لأمة ما لا يعني التخلف عن التقدم وركب الحضارة، ولا يعني التمسك بالتراث أبداً الجهل أو التخلف عن مواكبة ما هو جديد وحديث؛ إذ إنه يوجد الكثير من الأمثلة للأمم وللشعوب،

 والتي تمسكت بعاداتها وبتراثها، وفي الوقت نفسه تمسكت بالتقدم وبالركب الحضاري، واحتلت المراكز الأولى بين الدول المتقدمة مع حفاظها على تكوينها التاريخي، والتراثي، والتمسك بعاداتها الأصيلة من الآباء والأجداد، مثل احتفالاتها القومية، وطريقة لباسها وشكله، وأشكال العلاقات المجتمعية داخلها، فللتراث أهمية خطيرة وكبيرة في حياة الشعوب والأمم، وأحد مكونات الأفراد فيها، وعاداتهم، وتفكيرهم، وتقاليدهم.

 لماذا يجب المحافظة على ثقافتنا المحلية وتراثنا وماهية ذلك التراث ومدى حرصنا وجديتنا في الحفاظ عليه، وغيرها من الأسئلة التي تدور في أذهاننا نتيجة لذلك الصراع الحضاري الذي بتنا نعيش فيه. الثقافة المحلية المتوارثة أو التراث هو كل ما تركه لنا الآباء والأجداد من إرث مادي ومعنوي. وهو مصطلح يضم العادات والتقاليد والقيم الثقافية والروحية. لماذا يجب المحافظة على هذا الإرث؟ أهمية التراث تكمن في أنه لا يشكل فقط جزءاً مهماً من ماضينا ولا أرضية صلبة لحاضرنا، ولكن لأنه يرسم لنا خارطة طريق ومنهاج عمل يضيء لنا طريق مستقبلنا ومؤشر يقول لنا من نحن وماذا سوف نكون عليه مستقبلاً.

فلا يمكن للتراث أن يحفظ دون النظر إليه باعتباره مكوناً مهماً من مكونات شخصيتنا المستقبلية، ولا يمكن لجهود الحفاظ على التراث أن تنجح دون الاقتناع التام بأن للماضي تأثيراً مهماً على المستقبل وعلى رسم استراتيجياتنا المستقبلية وبأنه سراج يضيء لنا الطريق الذي سوف نسلكه مستقبلاً. إذاً فالأسباب التي تدعونا إلى الحفاظ على التراث كثيرة ومتعددة.

جهود الحفاظ على الثقافة المحلية والتراث كثيرة منها ما هو فردي ومنها ما هو رسمي. وهناك بالطبع فرق بين جهود التوثيق التاريخي وتوثيق التراث، حيث يتداخل المفهومان مع بضعهما البعض في أذهان الكثيرين.

فجهود الحفاظ على التاريخ كانت ناجحة، حيث تم إصدار العديد من الدراسات التاريخية التي توثق لحقب مختلفة، ولكن جهود الحفاظ على التراث هي الأصعب لأن بعضاً من هذا التراث لم يوثق بعد ونتيجة لتعرضه للاندثار، إما بوفاة الأشخاص المعمرين، وإما نتيجة أن بعضاً من تراثنا قد طمس عن عمد لأننا لم نشأ أن نحافظ عليه نتيجة لعوامل عدة بعضها حضاري والآخر اجتماعي.

من ناحية أخرى فمن أجل الحفاظ على موروثنا الثقافي الجيد حياً ونشطاً لا بد من أن نصل إلى اقتناع تام أنه تراث غير جامد قابل للتطويع والتغيير ليلائم العصر والزمان الذي نعيش فيه. بهذا تنجح جهود الحفاظ على التراث.

وفي الواقع هناك عوامل رئيسة عدة تؤثر على نظرتنا للتراث وبالتالي تؤثر في كل جهد يبذل في سبيل المحافظة عليه واعتباره مكوناً ثقافياً مهماً. هذه العوامل الأربعة هي: التعليم، الدين، القيم الروحية، واللغة والتفسير اللغوي.

فنسبة ومستوى التعليم يؤثر كثيراً على جهود الحفاظ على التراث. فكلما ارتفع مستوى تعليم الفرد كلما حاز الماضي وكل ما يتعلق به على أهمية كبرى وتقدير لدى الشخص ورغبة في المحافظة على كل ما هو قديم. فالتعليم يلعب دوراً مهماً في إثراء ذائقة الشخص وتقديره لقيمة تراثه الماضوي الجيد وضرورة المحافظة عليه.

التفسير اللغوي يلعب دوراً مهماً في الحفاظ على التراث حيث يؤثر هذا العامل في نظرتنا للتراث وفي تفسير ماهية التراث. فليس كل ما أتانا من الماضي يعد تراثاً يمكن أن نفسره بأنه تراث جدير بالمحافظة عليه وتمريره من جيل لآخر. من ناحية أخرى يلعب الدين والتفسير الديني دوراً مؤثراً. فنحن ننظر إلى التراث ونحافظ على ما هو مناسب طبقاً لما يأمر به الدين وما يتناسب مع قيم العصر الذي نعيشه ونحاول أن نطمس من ذلك التراث ما يتعارض مع القيم الدينية لعصرنا. وأخيراً تلعب القيم الروحية دوراً رئيسياً. فالقيم التي تتناسب مع قيم العصر ولا تتعارض مع القيم التي نعتنقها الآن تبقى وغيرها يندثر. هذه القضايا الأربع تؤثر على نظرتنا للتراث وبالتالي تلعب دوراً محورياً في جهودنا للمحافظة على ذلك التراث. فكل جهد يبذل لا يأخذ في الاعتبار هذه المكونات الأربعة لا يعتبر جهداً صحيحاً. ولكن ما هي الخطوات العملية التي يجب أن نتخذها سواء على المستوى الرسمي أو الفردي للحفاظ على الثقافة المحلية.

تضمين التراث في مناهج التعليم وتدريسه باللغة العربية وتضمين التراث في الرسالة الإعلامية (كرتون الأطفال، برامج تراثية يقدمها مختصون، حلقات تراثية لشرح تراث وثقافة الإمارات، حلقات توعية في وسائل الإعلام الأجنبية الخاصة عن ثقافة وتراث الإمارات، المحافظة على الرموز التراثية القديمة وإعادة إحياء ما اندثر في المعمار من مدارس وبيوت سكنية ومجالس وحتى أحياء والمحافظة على المسميات القديمة. إن الثقافة المحلية هي روح الأمة ومتى ما اندثرت تلك الثقافة غابت الروح وبقي الجسد.

 

اضف رد

Recent Posts

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لتحديد هوية المتصل بشكل رسمي ومنع الرسائل المزعجة.. المصرية للاتصالات تتعاون مع Truecaller

كتب محمد خالد أعلنت الشركة المصرية للاتصالات، الشركة الرائدة في مجال تقديم خدمات الاتصالات وتكنولوجيا ...