كيفية التعامل مع الضغوط التضخمية في الاقتصاد العالمي

كتب /د. عادل عامر

إن صناع السياسات عليهم القيام بمعايرة دقيقة لكيفية الاستجابة لما يستجد من بيانات. ذلك أن التفاوت عبر البلدان من حيث أوضاع التضخم ومدى قوة التعافي يوضح سبب الحاجة إلى تحديد استجابة السياسات تبعا لظروف كل بلد، نظرا للارتفاع الحاد في مستوى عدم اليقين المرتبط بظهور أوميكرون. ويمثل الإفصاح الواضح من جانب البنوك المركزية عاملا أساسيا أيضا في تشجيع التعافي العالمي الدائم.

مع استمرار معاناة الكثيرين، ينبغي أن تستمر الحكومة في إعطاء أولوية لمساعدة أكثر الفئات ضعفا على مواكبة التكلفة شديدة الارتفاع للغذاء والطاقة وتغطية التكاليف الأخرى – غير أن على الحكومات أيضا أن تتجنب زيادة الطلب الكلي الذي يهدد بعودة التضخم إلى الارتفاع. وفي كثير من الاقتصادات المتقدمة والصاعدة، يمكن أن يحقق الانضباط المالي خفضا للتضخم مع تحقيق خفض موازْ في المديونية.

 كان الدعم الحكومي عاملا حيويا في مساعدة الأفراد والشركات على تجاوز مرحلة الإغلاقات العامة التي فرضتها الجائحة ودعم التعافي الاقتصادي. فإن صناع السياسات لديهم مسؤولية فيما يتعلق بتوفير سبل الحماية القوية لمن يحتاجون إليها مع تقليصها في مواطن أخرى أو تعبئة إيرادات إضافية لخفض العجز الكلي. وتبرهن المسؤولية المالية – أو حتى الضبط المالي حيثما دعت الحاجة – على أن صناع السياسات مصطفون في مواجهة التضخم.

تقوم البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة للحد من الطلب واحتواء التضخم، الذي بلغ في كثير من البلدان أعلى مستوياته منذ ثمانينات القرن الماضي. ولأن ارتفاعات الأسعار السريعة مكلفة بالنسبة للمجتمع وضارة باستقرار النمو الاقتصادي، يجب أن تتحرك السياسة النقدية لمواجهتها على نحو حاسم.

وبينما تمتلك السياسة النقدية الأدوات اللازمة لخفض التضخم، فإن سياسة المالية العامة يمكنها وضع الاقتصاد على مسار أسلم في المدى الطويل من خلال الاستثمار في البنية التحتية والرعاية الطبية والتعليم؛ والتوزيع العادل للدخول والفرص عن طريق نظام عادل للضرائب والتحويلات؛ وتوفير الخدمات العامة الأساسية. غير أن رصيد المالية العامة الكلي يؤثر في الطلب على السلع والخدمات وعلى الضغوط التضخمية.

وتخفيض العجز من شأنه تهدئة الطلب الكلي والتضخم، ومن ثم لا يحتاج البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة كثيرا للوصول إلى هذه النتيجة. وبالإضافة إلى ذلك، فمع الأوضاع المالية العالمية التي تفرض قيودا على الميزانيات، ونِسَب الدين العام التي تجاوزت مستويات ما قبل الجائحة، فإن تخفيض العجز يعالج أيضا مواطن الضعف المتعلقة بالديون.

يعكس ارتفاع التضخم الجوهري عدة عوامل. فهو يعكس انتعاش الطلب بقوة مدعوما بالتدابير المالية والنقدية الاستثنائية، وخاصة في الاقتصادات المتقدمة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن فترات تعطل الإمدادات من جراء الجائحة وتغير المناخ، وتحول الإنفاق نحو السلع أكثر من الخدمات، أديا إلى زيادة الضغوط السعرية. كذلك فإن ضغوط الأجور تبدو واضحة في بعض قطاعات سوق العمل. وقد مرت الولايات المتحدة بفترة أطول من الانخفاض في مشاركة القوى العاملة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة الأخرى، مما زاد من ضغوط الأجور والتضخم.

نطوي معالجة صدمات العرض الكبيرة والمتواصلة على تحدٍ أكبر بالنسبة للبنوك المركزية في الأسواق الصاعدة. فنظرا لما يواجهها من مخاطر أكبر مقارنة بالاقتصادات المتقدمة فيما يتعلق بانفلات التوقعات التضخمية عن الركيزة المستهدفة، فهي ترى الحاجة إلى استباق الضغوط التضخمية، وبعضها – كالبرازيل وروسيا – رفع أسعار الفائدة الأساسية على نحو حاد.

ويأتي هذا التشديد في سياق النقص الكبير في الناتج من جراء كوفيد-19 ويمكن أن يتسبب في زيادة انخفاض الناتج وتوظيف العمالة. وتواجه الأسواق الصاعدة تداعيات قد تكون صعبة إذا أدى تشديد السياسة النقدية في الاقتصادات المتقدمة إلى خروج تدفقات رأسمالية وظهور ضغوط على سعر الصرف قد يتطلبان تشديدا أكبر.

وأخيرا، لا يزال هناك قدر هائل من عدم اليقين بشأن ما ستؤول إليه الجائحة وعواقبها الاقتصادية. ومن الممكن أن يؤدي ظهور سلالة متحورة تحد من فعالية اللقاحات إلى زيادة تعطل سلاسل الإمداد وانكماش عرض العمالة بما يزيد من الضغوط التضخمية، بينما يمكن أن يؤدي انخفاض الطلب إلى آثار عكسية. ومن دلائل التقلب القادم ما حدث من هبوط حاد في أسعار النفط عقب اكتشاف أوميكرون وسرعة قيام البلدان بفرض قيود على السفر.

إن الضغوط التضخمية اليوم لا تشعر بها الاقتصادات المتقدمة فحسب، بل تشعر بها أيضًا غالبية الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية. وعلى الرغم من اختلاف أسبابها عبر البلدان، فإن مهمة حل المشكلة ستقع في النهاية على عاتق البنوك المركزية الكبرى في العالم.

عاد التضخم بسرعة أكبر، وارتفع بشكل أوضح، وأثبت كونه أكثر عنادا واستمرارية من كل ما تصورت البنوك المركزية الكبرى في البداية أنه ممكن.  بعد أن هيمنت في مستهل الأمر على عناوين الأخبار الرئيسية في الولايات المتحدة، أصبحت المشكلة محور المناقشات السياسية في العديد من الاقتصادات المتقدمة الأخرى. في 15 من أصل 34 دولة يصنفها تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الذي يصدره صندوق النقد الدولي على أنها اقتصادات متقدمة، كان معدل التضخم لمدة 12 شهرا حتى ديسمبر 2021 أعلى من 5%. لم

لا يقتصر هذا الارتفاع التضخمي على البلدان الغنية، فقد ضربت الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية موجة مماثلة، حيث تواجه 78 من أصل 109 من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية أيضا معدلات تضخم سنوية أعلى من 5%. الواقع أن هذه الحصة من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية (71%) أصبحت ضعف ما كانت عليه تقريبا في عام 2020. وعلى هذا فقد أصبح التضخم مشكلة عالمية ــ أو شبه عالمية، حيث لا تزال آسيا محصنة حتى الآن.

تتفاوت المحركات الرئيسية للتضخم من بلد إلى آخر، وخاصة عند المقارنة بين الاقتصادات المتقدمة من جانب والأسواق الناشئة والاقتصادات النامية على الجانب الآخر. فلا تنطبق تشخيصات “فرط النشاط” السائدة في الخطاب الأميركي على العديد من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، حيث كان التحفيز المالي والنقدي في الاستجابة لجائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) محدودا، وحيث كان التعافي الاقتصادي في عام 2021 متأخرا كثيرا عن التعافي في الاقتصادات المتقدمة.

علاوة على ذلك، تختلف أنماط الكساد والتعافي التي استحثتها الجائحة بشكل ملحوظ عبر مجموعات الدخل في البلدان المختلفة، حيث يُـعَـرَّفَ التعافي على أنه عودة الاقتصاد إلى مستوى نصيب الفرد في الدخل الذي كان عليه في عام 2019. وقد استوفت نحو 41% من الاقتصادات المتقدمة المرتفعة الدخل هذه العتبة في نهاية عام 2021، مقارنة بنحو 28% من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية المتوسطة الدخل، ونحو 23% فقط من البلدان المنخفضة الدخل.

أن الاستجابة السياسية الأفضل توقيتا والأكثر قوة من جانب البنوك المركزية الكبرى لن تكون بشرى سارة للأسواق الناشئة والاقتصادات النامية في الأمد القريب. فسوف تواجه أغلبها تكاليف تمويل أعلى، وقد يصبح اندلاع أزمات الديون في بعضها أكثر ترجيحا.

 بيد أن التكاليف الأبعد أمدا المترتبة على تأخير العمل ستكون أعظم. بسبب فشل الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة في التصدي للتضخم بسرعة في سبعينيات القرن العشرين، احتاجت هذه البلدان في نهاية المطاف إلى سياسات أشد قسوة، والتي قادت إلى ثاني أعمق ركود في تاريخ أميركا بعد الحرب، فضلا عن أزمة الديون في البلدان النامية.

 

اضف رد

Recent Posts

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لتحديد هوية المتصل بشكل رسمي ومنع الرسائل المزعجة.. المصرية للاتصالات تتعاون مع Truecaller

كتب محمد خالد أعلنت الشركة المصرية للاتصالات، الشركة الرائدة في مجال تقديم خدمات الاتصالات وتكنولوجيا ...