كتب د/ عادل عامر
ان الشعب الفلسطيني من خلاله نضاله وتضحياته وبطولاته والدعم العربي والدولي استطاع أن يُبْقِيَ قضيته حيّة بالرغم من كل الأخطاء والخطايا والتنازلات الصغرى والكبرى التي ارتكبتها القيادة الفلسطينيّة والفصائل المختلفة، التي وصلت إلى الذروة بالانقسام السياسي والجغرافي المدمر. فإسرائيل لم تستطع أن تتجاهل أن منظمة التحرير فرضت نفسها بعد أن حصلت على وحدانيّة تمثيل الشعب الفلسطيني وعلى الشرعيّة العربيّة والدوليّة.
إن إسرائيل من أجل الحفاظ على كونها دولة يهوديّة، أصبحت تفضل مبدأ «بقاء الشعب» على «وحدة أرض إسرائيل»؛ خشيّة من أن يصبح الفلسطينيون بعد عقود قليلة من الزمن أغلبيّة في إسرائيل، ما سيجعلها دولة أبرتهايد بامتياز، وما سيؤدي عاجلًا أم آجلًا إلى تمكن الأغلبيّة الفلسطينيّة من الانتصار على الأقليّة اليهوديّة، التي ستعزل وستحاصر وتقاطع وتعاقب دوليًّا على غرار ما حصل في جنوب أفريقيا.
أكبر دليل على ما سبق أن أريئيل شارون، ملك التطرف والاستيطان، والذي سبق أن قال إن مستوطنة نتساريم المقامة سابقًا في غزة لها الأهميّة نفسها التي تملكها تل أبيب، اضطر إلى إعادة انتشار القوات المحتلة الإسرائيليّة، بحيث «انسحبت» من غزة وفككت المستوطنات المقامة فيها، واكتفت بمحاصرتها برًا وبحرًا وجوًا، وواصلت العدوان والاقتحامات والاغتيالات كلما أرادت ذلك.
لقد برر شارون تراجعه عن مواقفه بأن ما يُرَى من طاولة رئيس الوزراء لا يُرَى من فوق طاولة المعارضة. وليس من قبيل الصدفة أن يصرح أيهود باراك – وزير جيش الاحتلال – مؤخرًا، أنه تجب دراسة عمليّة الانسحاب أحادي الجانب من الضفة في حال فشل المفاوضات (وكأن المفاوضات قائمة وقابلة للنجاح)، وبالرغم من موجة الانتقادات الإسرائيليّة التي شارك فيها وزراء زملاء لباراك، إلا أن نتنياهو التزم الصمت، ما فسرته صحيفة «هآرتس» بأنه دليل على أن ما قاله باراك جرى تنسيقه سلفًا معه، خصوصًا في ظل التوافق الكبير بين الرجلين حول مختلف القضايا الاستراتيجية.
طالب باراك بضرورة إطلاق مبادرة إسرائيليّة «لأن استمرار الوضع الحالي من حيث أن المفاوضات مجمدة، وأن المستوطنين يوسعون الاستيطان؛ يخلق وضعًا متفجرًا في كل لحظة، وهذا ليس وضعًا مثاليًّا كما يرى البعض، لأننا إذا واصلنا الجلوس هكذا مكتوفي الأيدي؛ ستصطدم رؤوسنا بالحائط، وسندفع ثمنًا باهظًا، وأنا أقول هذا الكلام في إطار الإنذار والتحذير»، بحسب قوله.
ولتفسير تصريحات باراك لا بد أن نورد ما قاله يورام كوهين، رئيس جهاز الاستخبارات العامة الإسرائيليّة (الشاباك)، الذي اعتبر «أن الفترة الحاليّة في الشرق الأوسط يمكن وصفها بفترة عدم اليقين بشيء، والبركان المتفجر الذي يهدد بمواصلة الانفجار في المستقبل، حيث تتسم المنطقة بانعدام الأمن والحكم المركزي وتعاظم الأصوليّة الإسلاميّة، وتهريب الوسائل القتاليّة، وكل هذه أنماط جديدة للإرهاب».
صحيح إن وضع الضفة الغربيّة أكثر تعقيدًا بكثير من قطاع غزة، ولكن لا يمكن إهمال أن ما تقوم به إسرائيل على الأرض يشق الطريق لحل انتقالي جديد عنوانه الدولة الموقتة، ولا مغزى الخطوة التي أقدم عليها نتنياهو بضم حزب كاديما بزعامة شاؤول موفاز، صاحب الخطة المعلنة بالحل على مرحلتين: الأولى بقيام دولة فلسطينيّة ذات حدود مؤقتة على 60% من الضفة الغربيّة، والثانية (التي تدل التجربة بأنها لن تأتي أبدًا) بعد خمس سنوات والتوصل إلى اتفاق نهائي يشمل جميع قضايا الصراع.
ما يجعل خيار الدولة ذات الحدود المؤقتة مفضلا لإسرائيل، أنه يلبي كل مطالبها بعدم الانسحاب من القدس والأغوار والجدار والكتل الاستيطانيّة ومعظم المستوطنات الأخرى، ويمكنها من الاحتفاظ بالسيطرة على أحواض المياه والأماكن الدينيّة والأثريّة والنقاط الأمنيّة والاستراتيجية والسيادة على الأجواء والمياه والحدود، والقفز عن قضيّة اللاجئين، ويظهر إسرائيل على غير حقيقتها، وكأنها تريد السلام ومستعدة لتقديم «تنازلات مؤلمة» من أجله!
الدولة ذات الحدود المؤقتة، سواء إذا طُبّقت عبر خطوات أحاديّة الجانب أو باتفاق فلسطيني ـ إسرائيلي، فإنها قد تصبح خطوة «واقعية» في ظل تغييب الخيارات التي يمكن تبنيها فلسطينيا، وبالتالي تُمَكِّن إسرائيل من تحقيق أطماعها وأهدافها ومصالحها بتصفيّة القضيّة الفلسطينيّة وسلخ القدس والأراضي التي تريد ضمها لها عن بقيّة الأراضي المحتلة، وتفتح الطريق أمام «نشوء كيانات» فلسطينيّة جديدة في الضفة، وتنافس بين القوى والقيادات والفعاليات المحليّة من أجل اعتمادها من إسرائيل أو بقاء الفلسطينيين مشغولين في إدارة الانقسام أو التنافس في كيفيّة إجراء الانتخابات البلديّة والتشريعيّة والرئاسيّة وانتخابات المجلس الوطني.
بالرغم من ذلك، لا يمكن مرور هذا الخيار بسهولة في الحكومة الإسرائيلية الحالية، وإذا مرّ فهو أقصى ما يمكن أن تقدّمه إسرائيل. علينا أن نعرف أنّ إسرائيل، في الاتجاه الغالب وليس الحكومة فقط، معادية للسلام، وأنّ المشروع الصهيوني لم يغلق، بما في ذلك عدم إسقاط الخيارات الإسرائيلية الأكثر تطرفًا، التي يمكن أن ترى النور إذا شهدت المنطقة متغيرات استراتيجية، مثل حرب منتصرة إسرائيلية أميركية على إيران، أو تعميم تقسيم البلدان العربية وشعوبها ودخولها في الفوضى وحروب أهلية لا تنتهي.
تأسيسًا على ما سبق، لا يوجد حل وطني فلسطيني على الأبواب، ومثل هذا الحل لا يمكن من دون تغيير موازين القوى ونشوء وضع عربي مختلف داعم، يرى أن القضية الفلسطينية قضية عربية وليس فلسطينية فقط.
لم تتخل مصر عن القضية الفلسطينية بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، بل إنها ظلت الصوت القوى، والمدافع المخلص عن القضية الفلسطينية فى كل المحافل الدولية، والسند الداعم للشعب الفلسطيني فى كل الأوقات والظروف. هذا العام، وخلال أقل من 6 أشهر، استضافت مصر حدثين مهمين يتعلقان بالقضية الفلسطينية. الأول كان فى فبراير الماضي، حينما استضافت جامعة الدول العربية فى القاهرة مؤتمر «دعم القدس» الذى تجاوبت معه كل الدول العربية من أجل التصدى للهجمة الإسرائيلية الشرسة على «هوية القدس العربية».فى قمة القدس، جاء خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسى قويا وواضحا، ووضع النقاط على الحروف، مؤكدا أن القدس هى عصب القضية الفلسطينية، ومجددا موقف مصر الثابت والدائم فى دعم الشعب الفلسطينى، وحقه المشروع فى إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، على حدود الرابع من يونيو 1967، ورفض كل القرارات الإسرائيلية المخالفة لقواعد الشرعية الدولية، وتحميل دولة إسرائيل المسئولية كاملة عن أى تغيير يطرأ على ذلك، باعتبارها قوة احتلال ليست لها أى صلاحية قانونية.
بعد مرور أقل من 6 أشهر على مؤتمر القدس، احتضنت مدينة العلمين مؤتمر أمناء الفصائل الفلسطينية، الذى حضره قادة وأمناء ١٤ فصيلا فلسطينيا، وعلى رأسهم الفصيلان الأكبر «فتح»، بقيادة الرئيس الفلسطينى محمود عباس، و«حماس»، بقيادة رئيس المكتب السياسى للحركة إسماعيل هنية. ولأن مصر تضع القضية الفلسطينية نصب أعينها، فإنها، ومنذ وقوع تلك الأزمة، بذلت وتبذل جهدا كبيرا فى لم الشمل الفلسطينى، والتوفيق بين الفصائل المتنازعة،
وتلعب الأجهزة الأمنية المصرية دورا حيويا ورئيسيا فى التنسيق والتوفيق بين الفصائل، وفض الاحتقانات أولا بأول، والعمل على إيجاد أرضية مشتركة فيما بين الفصائل، بهدف زيادة مساحات المشتركات وتقليل مساحات الاختلافات فى ظل الهجمة الإسرائيلية المسعورة على حقوق الشعب الفلسطينى، وتنامى اليمين الإسرائيلى المتطرف، وسيطرته على مفاصل الدولة الإسرائيلية. أعتقد أنه لم يعد هناك وقت يمكن أن يضيع فى ظل الأوضاع العالمية والإقليمية المعقدة، ومن المهم أن تستغل الفصائل الفلسطينية تلك اللحظة التاريخية التى تتمسك فيها مصر بتحقيق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية، استنادا لدورها التاريخى والمحورى فى هذا الإطار على مدى 75 عاما، وحتى الآن.