كتب / عادل عامر
أن هناك مخطط واضح لخدمة أهداف الاحتلال القائمة على تصفية الأراضي الفلسطينية المحتلة، من أصحاب الأرض ومن سكانها، أن دولة الاحتلال الإسرائيلي “ستخيّر الفلسطينيين بين الموت تحت القصف أو النزوح خارج أراضيهم أن خطة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء ظهرت لأول مرة عام 1956، كجزء من مشروع “غيورا آيلاند”، والذي يتضمن ضم جزء من سيناء إلى قطاع غزة، مقابل منح مصر أراضي من صحراء النقب، حسب السلطة الفلسطينية.
ورغم فشل المخطط لسنوات إلا أنه عاد وطُرح من جديد في الثمانينات، ثم عام 2019، ضمن ما تسمى “صفقة القرن” التي حاولت أمريكا فرضها، والآن يطرح المشروع مجددا مع العدوان الإسرائيلي على غزة.
وفجر السبت الماضي، أطلقت حركة “حماس” وفصائل فلسطينية أخرى في غزة عملية “طوفان الأقصى”، ردا على “اعتداءات القوات والمستوطنين الإسرائيليين المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني وممتلكاته ومقدساته، ولاسيما المسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة”.
في المقابل، أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية “السيوف الحديدية”، حيث يواصل شن غارات مكثفة على مناطق عديدة وأهداف مدنية في قطاع غزة، الذي يسكنه أكثر من مليوني فلسطيني يعانون من أوضاع معيشية صعبة نتيجة حصار إسرائيلي متواصل منذ عام 2006. وهذا المخطط الشيطاني ليس وليد اللحظة بل تم وضعه منذ عام 2000م على يد رئيس قسم التخطيط في جيش الاحتلال ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق جيورا آيلاند،
حيث كانت خطته تنص على توسيع رقعة قطاع غزة الفلسطيني من خلال اقتطاع جزء من سيناء وضمها للقطاع إن الجانب الإسرائيلي يدفع في اللحظة الراهنة باتجاه تنفيذ خطة ترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة باتجاه سيناء، وذلك عبر تكثيف الضغط والقصف للحصار، فضلًا عن فرض الحصار الشامل عليه، وهو مخطط قديم متجدد من الاحتلال الإسرائيلي.
أن القانون الدولي يجرّم أي أعمال تهجير قسري ويحظره، ولافتًا إلى أن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول 1977 يحظران النقل الجماعي أو الفردي للمدنيين من أراضيهم أثناء النزاعات، كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر التهجير القسري للسكان جريمة حرب، ويتوجب على إسرائيل وقف ممارساتها بحق الفلسطينيين. كما حمّل المجتمع الدولي مسؤولية إنهاء مأساة اللاجئين من خلال دعم إقامة الدولة الفلسطينية.
يمثّل معبر رفح المنفذ الرئيسي والوحيد المتبقي للغزيّين على العالم الخارجي، لا سيما بعد أن أغلقت السلطات الإسرائيلية جميع المنافذ الستة بين قطاع غزة وجنوبي إسرائيل إثر إعلان حركة حماس -التي تسيطر على القطاع- عن بدء عملية طوفان الأقصى فجر يوم السبت الماضي. ويعيش على قطاع غزة نحو 2,3 مليون نسمة، يحيط بهم البحر وإسرائيل ومصر. وتسيطر إسرائيل على المجال الجوي لغزة وعلى ساحلها البحري، فيما تتحكم السلطات المصرية في حركة معبر رفح المؤدي إلى القطاع. شير الصراع العربي الإسرائيلي إلى التوتر السياسي والصراعات العسكرية والنزاعات بين عدد من البلدان العربية وإسرائيل. إن جذور الصراع العربي الإسرائيلي مرتبطة في ظهور الصهيونية والقومية العربية قرب نهاية القرن التاسع عشر. وينظر الفلسطينيين إلى الإقليم باعتباره وطنهم التاريخي الذي عاشوا فيه لآلاف السنين،
في المقابل يعتبر اليهود بأنهم وعدوا بهذه الأرض وفقًا لنصوص في التوراة، وفي السياق الإسلامي، فإنها أراضي إسلامية. وقد نشأ الصراع الطائفي بين اليهود والعرب الفلسطينيين في أوائل القرن العشرين، وبلغ ذروته في حرب واسعة النطاق في عام 1947 تخلله حملة تطهير عرقي وتهجير كبرى للفلسطينيين من قراهم ومدنهم، وتحول إلى الحرب العربية الإسرائيلية الأولى في مايو 1948 عقب إعلان قيام دولة إسرائيل.
انتهت معظم الأعمال العدائية الواسعة النطاق باتفاقات وقف إطلاق النار بعد حرب أكتوبر 1973. ووقعت اتفاقات سلام بين إسرائيل ومصر في عام 1979، مما إدى إلى انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء وإلغاء نظام الحكم العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة، لصالح الإدارة المدنية الإسرائيلية وما ترتب عليه من ضم من جانب واحد لمرتفعات الجولان والقدس الشرقية.
تحولت طبيعة الصراع على مر السنوات من الصراع العربي الإسرائيلي الإقليمي الواسع النطاق إلى صراع فلسطيني إسرائيلي محلي أكثر، بالغًا ذروته خلال حرب لبنان 1982. وقد أدت اتفاقيات أوسلو المؤقتة إلى إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 1994، في إطار عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية. وفي نفس العام، توصلت إسرائيل والأردن إلى اتفاق سلام. تم الحفاظ على وقف إطلاق النار إلى حد كبير بين إسرائيل وسوريا، وكذلك في الآونة الأخيرة مع لبنان (منذ عام 2006). إلا أن التطورات التي حدثت في سياق الحرب الأهلية السورية قد بدل بصورة فعالة الحالة بالقرب من الحدود الشمالية الإسرائيلية مما جر الجمهورية العربية السورية، وحزب الله والمعارضة السورية إلى خلاف مع بعضهما البعض وعلاقات معقدة مع إسرائيل.
الصراع بين إسرائيل وغزة الخاضعة لحركة حماس، الذي أسفر عن وقف إطلاق النار في عام 2014، يندرج عادة في إطار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فالصراع العربي الإسرائيلي. غير أن مرحلة 2006–2012، تعزى أيضًا إلى الحرب الإيرانية بالوكالة مع إسرائيل في المنطقة. وبين عامي 2012 و2017، قطعت إيران معظم علاقاتها مع حركة حماس السنية بسبب الحرب الأهلية السورية.
على الرغم من اتفاقات السلام مع مصر والأردن، واتفاقيات السلام المؤقتة مع دولة فلسطين ووقف إطلاق النار القائم بصفة عامة، لا يزال العالم العربي وإسرائيل على خلاف مع بعضهما البعض بشأن العديد من المسائل. أعد خطته في الفترة من من 2004 إلى 2006، ونشرها لأول مرة عام 2009، حيث تقترح مبادلة الأرض بالأرض، وحصول الدولة الفلسطينية على 720 كيلومترًا مربعًا في سيناء (من الحدود المصرية مع غزة، وحتى حدود العريش) مقابل حصول مصر على 720 كيلومترًا مربعًا أو أقل قليلًا من صحراء النقب الواقعة تحت سيطرة إسرائيل. عندها، بدأ الحديث أن لا قدرة على تحقيق هذا المخطط أو على الأقل الجزء الأكبر منه، إلا من خلال حرب شاملة ضد الفلسطينيين، بالطبع تحت غطاء دبلوماسي وسياسي وعسكري من الولايات المتحدة، وبعض الدول العربية. وهذا من شأنه أن يجعل معبر رفح الحدودي الطريق الرئيسي إلى الأمان في شبه جزيرة سيناء المصرية. وسيناء كانت قد ذكرت قبل ذلك في المخططات.
واليوم، مع عملية طوفان الأقصى، وبدأ حرب الإبادة التي تحدّث عنها نتياهو، يعود هذا المخطط إلى الواجهة بفرصة مؤاتية، بعدما أجرى مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان مشاورات مع الكيان ومصر بشأن فكرة وجود ممر آمن للمدنيين من غزة. وفي ظلّ استراتيجية الأرض المحروقة في القصف، وقطع إمدادات المياه والكهرباء والمواد الغذائية عن القطاع،
فإذا ما تمّ فتح المعبر، فإنه بالطبع، سيتجه معظم أهالي غزة عبر معبر رفح، طلبًا للأمن، لكن ما حصل عام 1948، لا يزال ماثلًا في الذاكرة، وهو فرض سياسة الأمر الواقع، وإبقاء الفلسطينيين في تلك البقعة، وعدم السماح لهم بالعودة. وهو ما ترفضه مصر، على الرغم من الضغوط التي تُمارس عليها. وحذّرت من احتمال أن يؤدي الهجوم الإسرائيلي على غزة إلى تهجير السكان من القطاع إلى الأراضي المصرية، وبررت رفض فكرة الممرات الآمنة للمدنيين “لحماية حق الفلسطينيين في التمسك بقضيتهم وأرضهم”.