كتب /د.عادل عامر
إن الدول الأطراف في هذه الاتفاقية يقلقها ما يطرحه الفساد من مشاكل ومخاطر على استقرار المجتمعات وأمنها مما يقوض مؤسسات الديمقراطية وقيمها والقيم الأخلاقية والعدالة ويعرض التنمية المستدامة وسيادة القانون للخطر وكذلك الصلات القائمة بين الفساد وسائر أشكال الجريمة وخصوصا الجريمة الاقتصادية بما فيها غسل الأموال وأيضا حالات الفساد التي تتعلق بمقادير هائلة من الموجودات يمكن ان تمثل نسبة كبيرة من موارد الدولة والتي تهدد الاستقرار السياسي والتنمية المستدامة لتلك الدول .
واقتناعا منها بأن الفساد لم يعد شأنا محليا بل هو ظاهرة عبر وطنية تمس كل المجتمعات والاقتصاديات مما يجعل التعاون الدولي على منعه ومكافحته أمرا ضروريا وان اتباع نهج شامل ومتعدد الجوانب هو امر لازم لمنع الفساد ومكافحته بصورة فعالة وان توافر المساعدة التقنية يمكن ان يؤدى دورا هاما بما فى ذلك عن طريق تدعيم الطاقات وبناء المؤسسات فى تعزيز قدرة الدول على منع الفساد ومكافحته بصورة فعالة وأن اكتساب الثروة بصورة غير مشروعة وان تعزيز التعاون
الدولي للموجودات المكتسبة بصورة غير مشروعة وان تعزز التعاون الدولى فى مجال استرداد الموجودات .
واذ تسلم بالمبادئ الاساسية لمراعاة الاصول القانونية فى الاجراءات الجنائية وفى الاجراءات المدنية أو الادارية للفصل فى حقوق الملكية.
واذ تضع فى اعتبارها ان منع الفساد والقضاء عليه هو مسئولية تقع على عاتق جميع الدول وانه يجب عليها ان تتعاون معا بدعم ومشاركة افراد وجماعات خارج نطاق القطاع العام كالمجتمع الاهلى والمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المحلى اذا كان يراد لجهودها فى هذا المجال ان تكون فعالة واذ تضع فى اعتبارها ايضا مبادىء الادارة السليمة للشئون والممتلكات العمومية والانصاف والمسئولية والتساوى امام القانون وضرورة صون النزاهة وتعزيز ثقافة تنبذ الفساد .
واذ تثنى على ما تقوم به لجنة منع الجريمة والعدالة الجنائية ومكتب الامم المتحدة المعنى بالمخدرات والجريمة من اعمال فى ميدان منع الفساد ومكافحته .
واذ تستذكر الاعمال التى اضطلعت بها المنظمات الدولية والاقليمية الاخرى فى هذا الميدان بما فى ذلك انشطة مجلس اوروبا والاتحاد الاوروبى والاتحاد الافريقى ومنظمة التعاون والتنمية فى الميدان الاقتصادى ومنظمة الدول الامريكية ومجلس التعاون الجمركى(المعروف أيضا باسم المنظمة العالمية للجمارك) وجماعة الدول العربية .
واذ تحيط علما مع التقدير بالصكوك المتعددة الاطراف لمنع الفساد ومكافحته بما فيها اتفاقية البلدان الامريكية لمكافحة الفساد التى اعتمدتها منظمة الدول الامريكية فى 29 آذار / مارس 1996 واتفاقية مكافحة الفساد بين موظفى الجماعات الاوروبية او موظفى الدول الاعضاء فى الاتحاد الاوروبى التى اعتمدها مجلس الاتحاد الاوروبى فى 26 أيار / مايو 1997 واتفاقية مكافحة رشوة الموظفين العموميين الاجانب فى المعاملات التجارية الدولية التى اعتمدتها منظمة التعاون والتنمية فى الميدان الاقتصادى فى 21 تشرين الثانى / نوفمبر 1997 واتفاقية القانون المدنى بشأن الفساد التى اعتمدتها اللجنة الوزارية لمجلس اوروبا 27 كانون الثانى / يناير 1999 واتفاقية القانون المدنى
بشأن الفساد التى اعتمدتها اللجنة الوزارية لمجلس أوروبا فى 4 تشرين الثانى / نوفمبر 1999 واتفاقية الاتحاد الافريقى لمكافحة الفساد ومحاربته والتى اعتمدها رؤساء دول وحكومات الاتحاد الافريقى فى 12 تموز / يوليو 2003 وصولا الى دخول اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية حيز النفاذ فى 29 أيلول / سبتمبر 2003 . دراسة مقارنة بين اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد والتشريع المصرى وخاصة فى مجال الفساد الادارى
ان مصر من الدول الاطراف فى اتفاقية مكافحة الفساد الصادرة عن الامم المتحدة والمبرمة فى 2005 وقد قامت الاتفاقية بوضع قواعد عامة مجردة لتنظيم عملية مكافحة الفساد على المستوى الدولى ونصت على الجرائم التى تعد جرائم فساد على ان تقوم الدول الاعضاء بتنظيمها عن طريق تشريعاتها الداخلية سواء عن طريق اعمال التشريعات الموجودة والمتعلقة بموضوع الاتفاقية او اصدار تشريعات جديدة لاعمال نصوص الاتفاقية داخل اقليم الدول الاطراف حيث نصت المادة 65 من الاتفاقية على ان تتخذ كل دولة طرف وفقا للمبادىء الاساسية لقانونها الداخلى مايلزم من تدابير بما فيها التدابير التشريعية والادارية لضمان تنفيذ التزاماتها بمقتضى الاتفاقية
كما يجوز لكل دولة طرف ان تعتمد تدابير اكثر صرامة او شدة من التدابير المنصوص عليها فى الاتفاقية من اجل منع الفساد ومكافحته وان كانت مصر من الدول الاطراف فى الاتفاقية وقد قامت باتخاذ مجموعة من التدابير لأعمال نصوص الاتفاقية مثل انشاء المحاكم الاقتصادية بالاضافة الى تشريعاتها الداخلية الموجودة بالفعل وخاصة في مجال مكافحة الجرائم فى الوظائف الادارية وابرامها مجموعة من الاتفاقات الثنائية والإقليمية والمتعلقة بتسليم المجرمين ومكافحة الفساد على المستوى الدولى ايضا الا ان تشريعاتها الداخلية لاتزال بحاجة الى بعض التعديلات وإصدار تشريعات جديدة حتى يكون لها دور فعال فى مكافحة الفساد الداخلي فهناك اوجه اتفاق واختلاف بين نصوص اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد والتشريع المصري ونعرض لبعض هذه الأوجه وخاصة فيما يتعلق بالفساد الادارى فيما يلى :
أولا : أوجه الاتفاق بين اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد والتشريع المصرى :
– نصت المادة 11 من الاتفاقية فيما يتعلق بالتدابير الخاصة بالجهاز القضائى واجهزة النيابة على اهمية استقلالية القضاء وما له من دور حاسم فى مكافحة الفساد وعلى ضرورة ان تتخذ كل دولة طرف تدابير لتدعيم النزاهة ودرء فرص الفساد بين اعضاء الجهاز القضائى دون مساس باستقلالية القضاء (1) وفى التشريع المصرى يوجد العديد من النصوص الدالة علــــى استقلالية القضاء فقد أوجبت المواد 65 ، 165 ، 166 من الدستور استقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية بما نصـت عليه من ان ” استقلال القضاء وحصانته ضمانتان اساسيتان لحماية الحقوق والحريات ” وأن ” السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها وتصدر احكامها وفقا للقانون ” وأن ” القضاة مستقلون لاسلطان عليهم فى قضائهم لغير القانون ولا يجوز لاية سلطة التدخل فى القضايا او فى شئون العدالة ” . وكذلك من مظاهر استقلال القضاء عدم قابلية القضاة للعزل وكذلك صدر القانون رقم 80 لسنة 1976 بشأن موازنة الهيئــات القضائيـة
(1) اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد صفحة (8)
والجهات المعاونة لها واوجب به ان تكون لها مجتمعة موازنة مستقلة تدرج رقما واحدا فى الموازنة العامة للدولة على ان تتكون موارد هذه الموازنة مما تخصصه لها الدولة من اعتمادات مالية وحصيلة الرسوم القضائية والغرامات التى يقضى بها والاموال التى يحكم بمصادرتها وذلك دون اخلال بما هو مخصص من هذه الاموال والغرامات لصالح الجهات الاخرى (1) .
بالاضافة الى ان انتقاء اعضاء الهيئات القضائية يتم عن طريق التعيينات التى تتم على اساس الانتقاء المباشر والاختبارات التى تتم بجانب المستوى العلمى وتحريات البوليس التى تتم عليهم للتأكد من صلاحيتهم لتولى مثل هذه المناصب التى هى بحاجة الى قدر كبير من النزاهة والحيدة بالاضافة الى ضرورة توافر مجموعة اخرى من الشروط فى المتقدمين لهذه الوظائف .
– نصت المادة 15 من الاتفاقية فيما يتعلق برشوة الموظفين العموميين الوطنيين على ان تعتمد كل دولة طرف فـى الاتفاقـية ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير اخرى لتجريم الافعال التى ترتكب عمدا وتعد جريمة رشوة للموظف العام (2) وهو ما يتفق مع ماجاء بنص المادة 103 من قانون العقوبات المصرى والذى اعتبر ان رشوة الموظف العام يعد جناية يعاقب عليها بالاشغال الشاقة المؤبدة وبغرامة لاتقل عن الف جنيه ولاتزيد على ما اعطى او وعد به وذلك رغم كون جريمة الرشوة من الجرائم التـى تقـع
(1) كتاب تشريعات السلطة القضائية معلقا على نصوصها للمستشار يحيى الرفاعى صفحة 696
(2) اتفلاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد صفحة 12
فى مجال العمل الادارى وبذلك يظهر تشدد المشرع المصرى فى تجريمها والعقاب عليها لما لها من أثار جسيمة على المجتمع ككل وذلك فى مجال مكافحة الفساد الادارى .
– نصت المادة 20 من الاتفاقية فيما يتعلق بالثراء غير المشروع على ان تعتمد كل دولة طرف مايلزم من تدابير تشريعية وتدابير اخرى لتجريم تعمد موظف عام الاثراء غير المشروع اى زيادة موجوداته زيادة كبيرة لايستطيع تعليلها بصورة معقولة قياسا على دخله المشروع (1).
واما فى القانون المصرى فيوجد قانون الكسب غير المشروع الذى يجرم مثل هذا الفعل وينظم كيفية المسائلة والمحاكمة والاثبات فى الحالات المماثلة كما ان كل موظف فى الدولة ملزم بتقديم اقرار لذمته المالية بصفة دورية كل خمس سنوات بداية من وقت قيامه بعمله يوضح به ممتلكاته ومصدرها حتى يكون هناك اشراف دورى من قبل الهيئات الاشرافية للتأكد من نزاهته فى قيامه بعمله واما بالنسبة لعامة الشعب فاذا حدث شك فى تعاملات او تصرفات احد الاشخاص يتم مساءلته عنها أما وجه الاختلاف فى هذه النقطة بين الاتفاقية والتشريع المصرى
يتمثل فى ان الاتفاقية ترى ضرورة الزام الشخص المتهم باثبات مصدر كسبه وثروته والتى حصل منها على المال أما القانون المصرى فيلزم الشخص المدعى بوجود كسب غير مشروع باثبات مصدر هذا الكسب وليس الشخص المالك حيث ان الاصل فى الانسان البراءة وهو ما يعرف بمبدأ . المتهم برىء حتى تثبت ادانته.
(1) اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد صفحة 14 .
– نصت المادة 23 من الاتفاقية على تجريم غسل العائدات الاجرامية(1). وقد اصدر المشرع المصرى قانون مكافحة غسل الاموال الصادر بالقانون رقم 80 لسنة 2002 وتم انشاء ادارة مكافحة جرائم غسل الاموال والتى تتبع الادارة العامة لمباحث الاموال العامة وتقوم بتتبع الاشخاص المشكوك فى أمرهم وجمع معلومات عنهم بناء على مصادر سرية ومباشرة التحقيقات مع امكانية اقامة التعاون مع الدول الاخرى ذات الصلة بالواقعة محل البحث وبعد ثبوت التهم عليه بناء على مصادر وأدلة قاطعة يتم تقديمه للمحاكمة ومعاقبته وفقا لنص القانون.
– نصت المادة 27 من الاتفاقية فيما يتعلق بالمشاركة والشروع فى الجريمة على ضرورة اتخاذ مايلزم من تدابير لتجريم المشاركة بأى صفة فى الفعل المجرم أو حتى الشروع فيه(2) . وقد اتخذ المشرع المصرى نفس المسلك ففيما يتعلق بالمشاركة يعاقب الشريك فى الجريمة بنفس عقوبة الفاعل الاصلى للجريمة ويعتبر مسئول معه ولايعفى من هذه المسئولية وأما ما يتعلق بالشروع فقد جرم المشرع المصرى الشروع فى ارتكاب الجريمة وان كانت العقوبة فى حالة الشروع اقل من العقوبة فى حالة الارتكاب الفعلى للجريمة واتمامها.
– نصت المادة 28 من الاتفاقية فيما يتعلق بالعلم والنية والغرض على أنهم من اركان الفعل الاجرامى حيث يستدل مـن الملابسـات
(1) اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد صفحة 15 .
(2) اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد صفحة 17 .
الوقائعية الموضوعية على توافر عنصر العلم أو النية أو الغرض بصفته ركنا لفعل مجرم (1) . أما عن المشرع المصرى فقد اشترط للمساءلة عن الجريمة المرتكبة توافر ركنين أولهما الركن المادي والمقصود به اتيان الشخص للفعل الذى يعد جريمة والمعاقب عليه وفقا للقانون وأما الركن ا لثانى فهو الركن المعنوى والمقصود به اتجاه نية الشخص نحو القيام بالفعل المجرم بالرغم من علمه بكون هذا الفعل يشكل جريمة معاقب عليها بنص القانون ومن المبادئ الراسخة انه لا يجوز التذرع بالجهل بالقانون فمن المفترض أن الجميع على علم بنصوصه خاصة وأنه يشترط لسريانه نشرة فى الجريدة الرسمية لتوفير عنصر العلم لعامة الناس .
– حثت الاتفاقية الدول الاطراف الى التعاون مع باقى الدول فى سبيل مكافحة الفساد ومحاصرته على المستوى الدولى سواء بإبرام اتفاقات ثنائية او اقليمية أو غيرها او باقامة التعاون فيما بينها وقد قامت مصر بابرام العديد من المعاهدات والاتفاقية الدولية الثنائية والاقليمية وذلك فى سبيل تدعيم العلاقات الدولية ومكافحة الفساد ومن هذه الاتفاقات ما يتعلق بتسليم المجرمين والتعاون المشترك بينها وبين باقى الدول خاصة فى مجال الجرائم التى تحدث فى اقليم اكثر من دولة وكذلك التعاون فى جمع الادلة المحاكمة وتسليم الأشياء محل الضبط إلى الجهة المالكة سواء كانت أثار أو أموال أو غيرها وذلك في سبيل مكافحة الفساد على مستوى أوسع في الداخل
(1) اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد صفحة (18).
والخارج ومحاصرته ومنع مرتكبي الأفعال المجرمة من الهروب من العقاب بعد ارتكابهم الجريمة دون ملاحقة وعقاب رادع حتى يكونوا عبرة لغيرهم وحتى يفكر كل شخص قبل إتيانه للفعل المجرم في عاقبة هذا الفعل وحال من سبقوه اليه فلا يحاول الإتيان به .