إن استخدام القوات الإسرائيلية المتكرر للقوة القاتلة والغاشمة في قطاع غزة ضد مدنين وأطفال وشيوخ ونساء ومستشفيات فلسطينية لم يهددوا حياة الآخرين فقد ارتكبت جرائم حرب هذه المحرقةُ، أسفرتْ عن سقوط ثلاثة آلاف شهيد بينهم أطفال (800 طفل)، ونساء بالمئات، وتسعة آلاف و700 جريح بينهم حالات حرجة كثيرة، مع تعذُّر الرعاية الطبيّة للجرحى، نتيجة “الحصار الإسرائيليّ المُحكم”، للحيلولة دونَ وصول الغذاء والدواء والمياه والطّاقة للقطاع. هذا “الحصار” لغزة، على شاكإنلة الحصار النّازيّ الألماني الأبشع في التاريخ، لمدينة ليننغراد (سانت بطرسبرج حاليًا) الروسية (1941- 1944م)،
الذي جرى أثناء الحرب العالميَّة الثانية (1939- 1945)، والذي استذكره الرئيسُ الروسي فلاديمير بوتين استنكارًا لما يجري في غزّة. لم تعترف إسرائيل بأي من قرارات الأمم المتحدة ولم تنفذها، لأنها كانت تعتقد في قوتها وتراها كافية لفرض كل شيء، وأصبحت أكثر غطرسة وجرأة كلما زاد إيمانها أن لا قوة يمكن أن توقفها. والسيئ أن بعض الدول المسلمة كانت أيضًا تعتقد في قوتها. ففي السنوات الأخيرة، كانت اتفاقات “التطبيع” المتتالية بين دول إسلامية وإسرائيل مدفوعة بالإيمان بأسطورة أن إسرائيل قوة لا تقهر، لكنهم لم يدركوا أنهم في الواقع كانوا يغذون هذه الأسطورة بمواقفهم.
النظام العالمي يثبت لنا كل يوم حقيقة واضحة: ليس كافيا أن يكون لديك الحق في أي قضية، حتى لو كنت محقًا تمامًا، فلن يرفع هذا عنك الظلم الذي ألم بك. حقك لا تثبته القضايا والملفات والمستندات. وحدها القوة -إذا امتلكتها واستطعت استخدامها- هي التي تمكنك من استعادة هذا الحق.
تفرض إسرائيل ستارا ثقيلا من التعتيم الأمني على صفقات الأسلحة، لكن الحديث يدور حول وجود ألف شركة إسرائيلية تعمل في بيع السلاح، ودأبت على إبرام صفقات ضخمة حول العالم، وتعتبر الدولة الثامنة المصدرة للسلاح حول العالم، وتوفر هذه الصفقات 250 ألف فرصة عمل إسرائيلية.
ورغم رفض إسرائيل إعطاء قائمة تفصيلية بالدول التي تشتري أسلحتها، فإن هناك 130 دولة تبرم معها صفقات بقيمة 9 مليارات دولار سنويا.
بلغة الأرقام، فإن 35% من صفقات السلاح الإسرائيلية تتم مع دول أوروبية وبأميركا الشمالية، و2% في أميركا اللاتينية، و63% في آسيا والباسيفيك وأفريقيا.
وتوفر تل أبيب للدولة الأذرية احتياجاتها من معدات السلاح والوسائل القتالية، بزعم أنها بحاجة دائمة وماسة للقدرات العسكرية، كي تحافظ على كينونتها في المنطقة المكتظة بالنزاعات، وهي تجاور عدة دول كبرى، كروسيا وإيران وتركيا.
فلنتذكر أن تلك الدولة التي غُرست في قلب الشرق الأوسط كالسكين كانت تعتبر نفسها الأمة الأكثر تفوقا وامتيازا ونبلا في العالم، وقد احتفظت بتفوق عسكري وسياسي دائم بفضل الامتيازات والدعم الذي منحه لها النظام الدولي، خصوصا الولايات المتحدة، وقد أصبحت على مر السنين آلة حربية خارقة لا يتصور أحد -داخلها أو خارجها- هزيمتها أو اختراق دفاعاتها، لقد تصورت نفسها آمنة، لدرجة أنه لن تصيبها شرارة حتى لو التهمت النيران كل ما حولها.
كانت إسرائيل تبيع هذا الإحساس الموهوم بالأمان لأولئك المستوطنين الذين جلبتهم من أنحاء العالم، من بلاد لم تكن لهم فيها مشكلة أمان أو معيشة، بل حظوا فيها بالامتيازات، وكأن ذلك لم يكن كافيا، فجاؤوا من بلادهم البعيدة ليجبروا الفلسطينيين على الرحيل من منازلهم ويستولوا على ممتلكاتهم بالقوة.
وقد أبرمت أذربيجان وإسرائيل قبل سنوات صفقة ضخمة للأسلحة، شملت طائرات دون طيار إسرائيلية، ومنظومة أقمار صناعية، ومقدرات عسكرية ووسائل قتالية، رغم الحظر الذي تفرضه العديد من دول العالم على بيعه لها، بسبب حربها مع أرمينيا. توافقت المحافل الإسرائيلية على أن اتفاقيات التطبيع الأخيرة مع البحرين والإمارات العربية المتحدة والسودان والمغرب، و”العلاقات السرية” مع دول عربية أخرى، ستزيد من صفقات بيع السلاح الإسرائيلي في المنطقة، لأن المزيد منها سيباع للدول “المطبعة”، فأموالها كثيرة، وتسعى لترقية جيوشها، وفق محدد أساسي عنوانه أن التفوق الأمني والعسكري الإسرائيلي لن يتضرر.
وشكلت صفقة بيع طائرات “إف 35” (F-35) الأميركية للإمارات ذروة هذه الصفقات، وإضافة للموافقة الإسرائيلية عليها، فقد أعلنت أنها ستزود الطائرات المباعة للإمارات برادارات جديدة، ودأبت إسرائيل على بيع عدد من دول المنطقة منظومات تجسس أمنية وعسكرية، لملاحقة معارضيها السياسيين وتتبعهم.
من هذه اللحظة فصاعدا لا معنى لمحاولة إلقاء الخوف في قلوب مقاتلي حماس الذين لم يعد الموت يخيفهم، فهم يخيفونه، لقد فازوا سواء ماتوا أو عاشوا، فلننشغل بحالتنا الخاصة، وتحية للأبطال الذين يعتبرون الله وكيلهم.
الجدران والأسلاك الشائكة والخنادق التي كانت توصف بأنها لا يمكن تجاوزها، تم تجاوزها في بضع دقائق. وشهدت الأراضي الإسرائيلية، التي لا يمكن دخولها دون إجراءات أمنية صارمة، تَدَفُّق الآلاف من جنود كتائب القسام والمتطوعين الفلسطينيين بسهولة، بينما فر الجنود الإسرائيليون والمستوطنون من أمامهم كجرذان صغيرة. إسرائيل التي استخدمت قوتها واستخباراتها ومهاراتها الحربية كآلة للرعب في المنطقة كلها منذ تأسيسها، خسرت أمام تكنولوجيا تم تطويرها من أنابيب مدخنة.
بالطبع، لم تهزم أنابيب المدخنة التي تم تعديلها إسرائيل، وإنما هزمها الإيمان الذي لم يستسلم لكل قوتها وتكنولوجياتها وظلمها الاستعماري.
إسرائيل، التي أجبرت سكان غزة على العيش تحت الحصار 16 عاما، ولم تسمح بدخول قطعة خبز أو دواء أو أي مواد أخرى دون إذن، وأهانت رجالهم ونساءهم وأطفالهم وكرامتهم وإيمانهم ومقدساتهم، لم تستطع أبدًا تجنب رؤية العزيمة الصامدة في أعين شعب غزة. هذا العزم كان دائمًا كابوسها، واليوم أصبح هذا الكابوس حقيقة.
الخيار الاستراتيجي السياسي لحماس كان الاستمرار في المقاومة، مسلحةً بالإيمان ولكنها عقلانية في الوقت ذاته، تستخدم ما يتاح لها من قدرات للرد على الصهاينة.. نعم، بدأت انتفاضتها بالحجارة، التي كانت كل ما لديها، لكن ذلك لم يكن يعني أنها ستكتفي بها. عملت حماس جاهدة لتطوير التكنولوجيا والقوة لتصيب إسرائيل في أمّ عينها، كما فعل داود عندما أصاب “جالوت” في وسط عينه.
قبيل العملية الأخيرة، كانت هجمات حماس “رد فعل غير متكافئ” على هجمات إسرائيل، ولكنها مع “طوفان الأقصى” أخذت زمام المبادرة للمرة الأولى لتهاجم إسرائيل، وجعلتها تعيش الكابوس الذي تعيشه غزة كل ليلة.
هذا هو ملخص الحادث، رغم كل الضجيج الذي يثيره أصدقاء أميركا وإسرائيل الذين تحولوا فجأة إلى وضع “إسرائيل البائسة تواجه هجمات حماس الوحشية”، فجوهر المسألة يكمن في أن إسرائيل تعيش لأول مرة جزءًا مما كانت تفرضه على الشعب الفلسطيني.
شعب غزة الذي عاش تحت الحصار لمدة 16 عامًا دون الحد الأدنى من ظروف الحياة الإنسانية، في حين -على الناحية الأخرى- يتم جلب مستوطنين من أنحاء العالم بوعود كثيرة ليحتلوا منازل وأراضي العائلات الفلسطينية، ويتعرض الفلسطينيون الذين يقاومون هذا لكل أنواع العدوان والإهانة.
فبدلاً من بناء جدران حول المستوطنات لحمايتها، تم بناء جدران حول الأحياء الفلسطينية المجاورة، لتجعل الفلسطينيين يعيشون في سجن كبير. يُجبرون على الانتظار لساعات في نقاط التفتيش التي أقيمت بين الشوارع للذهاب من منزل إلى منزل في الحي نفسه.
ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرة جديدة في اليوم الـ11 من حربه على غزة بقصف مستشفى المعمداني، مخلفا أكثر من 500 شهيد ومئات المصابين.
وخلف القصف المتواصل للاحتلال على غزة حتى الآن أكثر من 3 آلاف و200 شهيد و12 ألفا و500 جريح، أغلبيتهم أطفال ونساء، في حين ردت المقاومة الفلسطينية بقصف تل أبيب وعسقلان ضمن عمليتها طوفان الأقصى.
تحول المستشفى الأهلي المعمداني إلى ساحة لأكبر مجزرة في تاريخ قطاع غزة، حيث أحال قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي المئات من المرضى والنازحين -معظمهم من النساء والأطفال- إلى أشلاء.
ويعد مستشفى المعمداني أقدم مشفى في قطاع غزة، وبني قبل نكبة فلسطين بأكثر من نصف قرن وسط مدينة غزة في أحد المربعات السكنية المكتظة بحي الزيتون.
وتحيط بالمستشفى كنيسة القديس برفيويوس ومسجد الشمعة ومقبرة الشيخ شعبان، ويتبع الكنسية الكنيسة الأنجليكانية في القدس المحتلة.
وسقط 500 شهيد على الأقل في قصف شنته مقاتلات الاحتلال -مساء أمس الثلاثاء- على ساحة المستشفى الأهلي المعمداني، وفق ما أعلنته وزارة الصحة في القطاع.
وكانت إحداثيات المستشفى -الذي لم يستهدف قط خلال الحروب الإسرائيلية السابقة على القطاع- قد وصلت إسرائيل سابقاً عبر الصليب الأحمر، في حين أكدت وزارة الصحة في قطاع غزة أن المجزرة سبقها تهديد صريح وتحذير مباشر من الجيش الإسرائيلي. يشار إلى أن الكنيسة الأنجليكانية الأسقفية في القدس المحتلة أدانت قصف الاحتلال الإسرائيلي مستشفى المعمداني في غزة، واصفة ذلك بالجريمة ضد الإنسانية، وأكدت أنه “يستحق الإدانة والعقاب الدوليين”.