أسرعى ثقافة الخوف

كتب د/ عادل  عامر

بما يتجاوز عندنا، فصرنا نخشى المحافظين، صرنا نخشى أن نفكر، جربنا في كل زاوية تراقبنا، تحاصرنا، يقتادنا أعوانها إلى غياهب السجون، فإما أن تخاف وتورث ذريتك خائف من بعدك أوفإن خديصلة وتنتظركأما الخوف فهو أداة يجسدها الفرد عبرها بالمعانة في القلب، ويستدمجها في نفسه، ويستوعبها. إنها قناة القوة التي تأخذ موافقة عبرها طريقها إلى القلب البشري. ويبقى أن تأثيرها لايشبه البحيرات ولكنها تراكمت في الخاصية، فهي لا تتم مرة أو دفعة واحدة ولكنها تكشف بصورة واضحة، كما عادت إلى ذلك ثيودور أدورنو.

ثقافة الخوف، مصطلح في العديد من الطروحات النفسية التي تخص مشاعر الخوف والقلق تهيمن في الخطاب العلاقات العامة المعاصرة، وتتغير العلاقة حسب الحاجة بالآخر كأفراد وكهيئات ديمقراطية. ورغم أن كل هذه الطروحات قد تمكنت من تحقيق مخترعات متتبعة للمصادر والإبداعات التي يرومون الوصل بها لوصف هذه الحالة، فإن جميع هذه الطروحات تتقاسم المطلب الجوهري وهي تعرف الخوف هي إلى حد ما ظاهرة جديدة بدلات شديدة الاهمية والتطور.

لما نحن نخاف؟ هل جينات العرب ممتزجة بلعنة الخوف، هل ما يسمى بالعالم الحر يولد أطفاله أحرار من بطون امهاتهم، هل أمريكا أرض الأحرار وموطن الشجعان وموطن الخائفين البائسين.

لا ليس كذلك بل قرون من الكبت وسيوف السلاطين وبنادق العساكر وسكاكين الخونة وننعيق الرعاع بلانا ما نحن عليه الأن، كتلة من الخوف والجبن، ذهب صوت حناجرنا وجيف حبر قلمنا، ملنا الحديث والنقاش، خافت الحماسة في قلوبنا . لــم يحــدث أن شــاع مــن قبــل اســتخدام مفهــوم الصحافــة الصفــراء فــي الوطــن العربــي تخاطــب الغراقــز وتتوســع فــي نشــر الفضائــح، ولا تعتمــد الدقــة ملابس فيمــا تنشــره مــن أحــداث وقصــص ولاتضــع حــدودا لمــا تمثــل اجتــراء علــى الأخلاق والآداب ومــا يمكــن ان ينطــوى عليــه ذــك مــن تشــهير .

وقريبــا منهــا تلــك الاعمــال الفنيــة الســافرة والكتابــات الادبيــة المكشــوفة التــي يــرى بــض الادبــاء والروائيــون أن حرــة الابــداع لا تكتمل إذا فرضــت القيــود علــى مــا تجــود بــه أحلامهم ورواهــم ســواء فــي الفنــ التشــكيلية أوون الادبية ،وبالمنطــق نفســه نســحب الاعتــراض على المؤلفــات والمصنفــات التــي تخالــف الــرأي الســائد فــي شــ شؤون القيــادة الأصلــن والفكــر ومــا يمكــن ان يختــح البــششــكوك الشــبهات التــي يمكــن ان تزلــزل العقاــد لــدىــة وتولــد الفتــن . فكلهــا كتابــات صفــراء لايطيقهــا المجتمــع ولايتســامح فيهــا.

هــذه هــي الحالــة الســائدة فــي المجتمــع العربــي اليــوم .. تتســاوى فيهــا المجتمعــات الليبراليــة والمحافظــة الغنيــة والفقيــرة أهــل الحضــر واهــل المــدر .. لافــرق ولايــكاد يمــر اســبوع دون أن تنفجــر ازمــة تقافيــة هنــا وهنــاك ســرعان مــاسكوــب إلــى أزمــة سياسيــة يفرضهــا منطــق الخــوف او ثقافــة الخــوف حيــث تســعى الســلطة إلــى فــرض معاييرهــا بوســائل تتراوح بين التعســف في اســتخدام القانون فــي فضــل الاحــوال أو اللجــوء إلــى البطش والعنــف والتخويــف الــذي ينتهــي إلــى المنع والحظــر والإبادة. فــي اســوئها.

فــي مرحلــة التصــدع الفكــري والثقافــي التــي تعيشــها الأمــة العربيــة حاليــا ذهــب البعــض الــي القــول بــان انتشــار الكتابــات الصفــراء .. وغيــاب الثقافــات الرهينــةــة إلــى أن الدولــة فــي عديــد مــنــات العربيــة رفعــت باليدــا أو انســحبت فوقــا. مــن ادارة المجتمــع تزايدــا أو وثقافيــا وانــه فــي ظــل التعدديــة السياسيــة اجتماعيا والديمقراطيــة مظهريــة لــم تعــدــ الدولــة تمــارس ســلطانها على العقول والأذواق والســلوكيات .. وهي كذبــة كبيــرة لأن غيــاب ثقــة العربيــة في هــومؤسساتهاــوعلــى رأســها المنشورــة

الــذي فتــح الطريــق أمــام الصحافــة الصفــراء لمــلء الفــراغ الإعلامــي ذــك أن الصحافــة الصفــراء باشرــت فــي ان تقيــم اتفــاق عــدم اعتــداء غيــر معلــن مــع الســلطة الحاكمــة ، وهــو الــذي مكنهــا مــن أن تختلــي بقرائهــا ، فراحــت تمــلأأ الفــراغ الإعلامي بــكل مــا هــو رخيــص وتافــه مــن حديــث الفضائــح والخرافــة ونفــاق العواطــف وفــي مثــل هــذه التــي تتحــدث فيهــا مهمــة الإعلام ،

إما بإخفاء المشــروعة والتقديــس علــى الســلطة أو بكونــه أداة للترفيــه والترويــح عــن النفــست تنمــوحاف الصــة الصفــراء نمــوا عشــوائيا غيــر محكــوم وغيــر نافــع لأية معاييــر افتتحــول دون أن يــدري أحــد لأداة لترويج التعصــب والعصبيــة والعنصريــة ونزعــات الكراهيــة مســتخدمة فــي ذــك احــدث تقنيــات الطباعــة والتصويــر وأساليب الصحافــة الحديثــة وهكــذا تكتمــل الدائــرة .. فــراغ إعلامــي ناجــم عــن ســيطرة ثقافــة الخــوف حتــى اذا انفجــر الموقــف واختلطــت الأمور أصبح المنــع الشامل والتفتيــش علــى العقــول والضمائــر هــو أسهل الطرق لاســتعادة زمــام الموقــف أوضاعــت فــي الزحمــة كل الحــدود جناحــة بيــن الإبــداع الحقيقــي الإباحيــة بيــن الأبــتــكار والتجديــد وبيــن التبــذل والثــارة ويصبــح الصمــت هــو الطريــق الآمــن الوحيــد .

خصائص ثقافة الخوف

ـ أنها ذات صفة جماعية، لا يقصد بها فرد ولا جماعة دون غيرها، بل هي الثقافة المتفشية في كل قلب ينبض وكل ذي روح. فثقافة الخوف ليست معنى جماعيا ولم تتطور ذات طابع إفرادي كما كانت تنظر إلى مفهوم الثقافة حتى نهاية القرن الثامن عشر.

لم يعد الشعور بالخوف مجرد إحساس فردي يضطرم غريزياً إلى أن تتربص بالوجود البيولوجي للفرد، بل بات مندكاً في مجتمع وعي جماعي للبشر، وتتجلى تمظهراته في مناسبات التمييز، والتخاطب اليومي، ولغة التعامل المنهجي بين مكوّنات المجتمع. فهنا كونيحل كينونة الفرد لتنصهر في كيان المجتمع الكبير الذي ينعقد تحت وطأة ثقافة الخوف بطريقة جبروتية. تعرض الافراد، خلال عمل الماكينة، لمسخ شامل للهوية، والتفكير، والشاعر والقيم الإنسانية، ليكون تحت المراقبة قبطان السفينة، والموت الكابتن عليها، والمجتمع مجرد كتلة بشرية مخطوفة على متنها.

فالفرد يعاد صياغته من خلال دمجه في المجتمع الخاضع لإشعاعات ثقافة الخوف، فلا يعود فرداً سوّياً مستقلاً بل هو جزء من مسخ جماعي، يكتسب خصائص المجتمع الممسوخ، يحقق كل فرد فيه كما يلبس وينطق ويهجس بطريقة واحدة، إنها أوركسترا الخوف التي تعزف لحناناً موحداً لقائد الملهم.

في السياسة، يتولّد تواطؤ عفوي بين المجتمع والسلطة السياسية السياسية على ممليات ثقافة الخوف، والتي تؤول مفضياتها الى تركين أسس الاستبداد ويتسع له المفزعة. ثقافة تتفشى في البيت والشارع ورياضات الأطفال والمدارس والجامعات والمؤسسات والمؤسسات والاعلام والأندية وشبكات النخب والتأليف الاجتماعي وصولاً إلى القيادة الديمقراطية. فمطلوب من الجميع أن يمثُل قوة الخوف على طريقته ويلزم أن تكون ملزمة لوجه السلطان، تحقيقاً لمقولة الناس على دين ملوكها. إن أعضاء العين السليمة هنا هو ما يسهب الروائي السوري سعد الله ونوس في تعريته في مسرحية (يوم من زماننا)، حين تخرج القوى المضادة منه عبر سلسلة ثنائيات متضادة، حيث يبدو هذا العقل مركزاً للتفكير في شيء ونقيده، فهو مع الحرية وضدها، ومع المنطق ونقيده، فهو عقل مصمم كي يكون مأجوراً دائماً لخدمة أغراض السلطة، وفي الوقت نفسه قادر على تكييف نفسه بصورة تلقائية مع اختلافات الواقع، ويسترعي كيعير من محفوظاته المنصوبة من خارجه ما يناسب كل مستجد. بل هو عقل أيضاً ستتمكن بصورة مذهلة على أن يمنطق تحوّله من موقف الى نقيضه، بل

وأن يسبغ على القيمين ويلثماً قدسياً حين يبتكر لكل مفردة قبيحة مقابلها الجميل، فحتى لكن يصبح مشرفاً حين يستبدل عنوانه بالربح، حيث كما اسدلت سواتر على قيم عديدة في ثقافتنا اليومية على الاستبداد والحكم والقمع ومصادرة الحريات وان الاعدام التعددية الحزبية بإسم الوحدة تحتفظ بالاستقلال الوطني ووحدة التحكم في القضايا الخارجية ضد الصحفيين في الداخل. هذا الحضور هو الذي أوصل فاروق، أستاذ الرياضيات في رواية (في يوم من زماننا) الى إعلان التمرد على عقله المفصوم ومنرار عذاب تلك الثنائية المعيقة التي جعلت من الولاء للسلطان القيمة النهائية والوحيدة، وقد حسم فاروق قراره لابطال مغنطة ثقافة الخوف واختار الموت بديلاً عن (التعريص مع دولة هذه الأيام) . وقد سبب فاروق أن يتحرر من النفاق الخلاق ونزع قناع الزيف المتعدد بحسب تعدد الاكلات.

إن الهزّت الاتجددية فرانسيسكوة لثقافة الخوف بالتأكيد حافز المجتمع الواقع ضمن مجال تأثير تلك الثقافة، وتستوعب الدولة الحديثة لها، فالخوف يسري في أحشاء السلطة بنفس القدرة الذي يطال رجل الشارع، فالكل في خوف سواء، ولا كان خوفاً سلطوياً بإمتياز. تخشى هذه الثقافة من أفراد السلطة والمجتمع إلى نوع من المحافظين المهجوسة بكل ما تنذر من الثقة أو ما يتقدم في أذهان يستفيدون منها أيضًا، فالانهاباس في اللامرئي والنائب والمستور يهيمن على شبكة العلاقات الداخلية بين المجتمع وبينها وبين السلطة. هذه البيئة ليست التي لا أعرافها في مواجهة القانون الناظم لكل علاقات سويّة، ومستقرة. مثل هذه البيئة تصبح التراكم الرهابي البالغ الثراء وزير الإنتاجية، حيث يولد الخوف من رحم الأطفال الأخير، ليضاف إلى أوج أخرى من الخوف لتتظافر سوية في صناعة بيئة خصبة لثقافة الخوف، فالخوف في البيت يشترك في الخوف والمدرسة والسوق والمؤسسة والجامع والجامعة الوصول إلى الوفاء الفضاء العام بكل محتوياته بخوف مطبق، لتلتقي في مصب واحد هو تصنيم القوة المهيمنة صانع الخوف الأكبر.

اضف رد

Recent Posts

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزيرة التضامن الاجتماعي تلقي كلمة مصر في القمة العالمية للإعاقة بـ” برلين”

كتبت ندي احمد ألقت الدكتورة مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي، كلمة مصر في القمة العالمية ...